![]() |
|
العراق .. من فشل الدولة الى استقرار الفشل
موقع الإمام الشيرازي 20 / شوال / 1447
إذا كان الكاتب "روبرت روتبرغ" قد جعل من "تقديم السلع السياسية الأساسية" معياراً حاسماً للحكم على فشل الدولة في كتابه "عندما تفشل الدول .. الأسباب والنتائج"، فإن الحالة العراقية تكاد تكون المثال الأكثر إيلاماً على هذا النوع من الفشل. يكتب روتبيرغ بوضوح أن الدولة "توجد لتزويد مواطنيها بالأمن، وسيادة القانون، والخدمات الأساسية"، وأنها حين تعجز عن ذلك "تفقد سبب وجودها العملي". هذه الفكرة، التي تبدو نظرية في سياقات أخرى، تتحول في العراق إلى واقع يومي؛ فإن العراق دولة قائمة، لكن قدرتها على خدمة المجتمع متآكلة إلى حدّ يجعل وجودها ذاته موضع تساؤل. في العراق، لا يتمثل الفشل فقط في غياب بعض الخدمات، بل في مفارقة قاسية بين الإمكانات والنتائج. بلد يُعرَف تاريخياً بـ"بلاد الرافدين" يعاني من أزمات مياه خانقة، ليس فقط بسبب العوامل الإقليمية، بل أيضاً نتيجة سوء الإدارة وغياب التخطيط. وبلد يطفو على واحد من أكبر احتياطات النفط والغاز في العالم، يعيش سكانه انقطاعات مزمنة في الكهرباء، حتى أصبحت المولدات الأهلية بديلاً دائماً عن الدولة. هنا تتجسد مقولة روتبيرغ - فيما يتعلق بالعراق - بأن الدولة الفاشلة هي التي "تفشل في توفير بيئة يمكن التنبؤ بها وآمنة للحياة اليومية"، حيث يتحول الحصول على الماء والكهرباء - وهما أبسط شروط الحياة - إلى معركة يومية يخوضها المواطن وحده. ولا يقلّ مشهد البنية التحتية قتامة، فإن شبكات تصريف المياه في كثير من المدن تكاد تكون منهارة، والطرق التي يفترض أن تربط المجتمع وتسهّل حياته تحوّلت إلى ما يسميه العراقيون "طرق الموت"، في دلالة مأساوية على حجم الإهمال البنيوي. هذا النوع من الفشل لا يقتصر على الإزعاج أو التقصير الإداري، بل يتحول إلى تهديد مباشر للحياة. وهو ما ينسجم مع تحذير روتبيرغ من أن تدهور الخدمات الأساسية ليس عرضاً ثانوياً، بل مؤشر مركزي على تآكل الدولة، لأن الدولة - في جوهرها - تُقاس بقدرتها على حماية الحياة لا تعريضها للخطر. الأخطر من ذلك هو ما يحدث في قطاعي التعليم والصحة، حيث يتجاوز الفشل حدود الخدمات إلى ضرب الأساس الأخلاقي للدولة. يشير روتبيرغ إلى أن الدولة حين تفشل "تتراجع قدرتها على تقديم التعليم والرعاية الصحية، وهما من أهم السلع السياسية طويلة الأمد"، لأنهما يرتبطان ببناء الإنسان نفسه(*). في العراق، لم يتراجع مستوى التعليم فحسب، بل تآكلت مصداقيته مع انتشار ظاهرة الشهادات المزيفة، القادمة من جامعات رديئة في لبنان وإيران والهند، في ظل غياب رقابة فعّالة. أما التعليم العالي، الذي يفترض أن يكون رافعة للنهوض، فقد أصبح في كثير من الحالات امتداداً لأزمة الفساد والمحاصصة. وفي القطاع الصحي، تتجلى المأساة بشكل أكثر مباشرة: خدمات ضعيفة، وبنى تحتية متهالكة، واعتماد متزايد على القطاع الخاص، ما جعل العلاج عبئاً مالياً ثقيلاً على المواطن. وهنا تظهر مفارقة دستورية صارخة، إذ ينص الدستور العراقي على ضمان التعليم والرعاية الصحية، بينما الواقع يشير إلى خصخصة غير معلنة لهذين القطاعين. هذا التناقض بين النص والواقع يعمّق ما يسميه روتبيرغ "أزمة الشرعية"، حيث لا تعود المشكلة في ضعف الأداء فقط، بل في فقدان الثقة بأن الدولة تعبّر فعلاً عن التزاماتها تجاه مواطنيها. إن قراءة العراق من خلال عدسة كتاب "عندما تفشل الدول .. الأسباب والنتائج"(**)، تكشف أن الفشل في تقديم الخدمات ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو قلب الأزمة. فإن الدولة التي تعجز عن توفير الماء والكهرباء، وعن ضمان طرق آمنة، وعن حماية التعليم والصحة من الانهيار، لا تفشل في وظائفها فحسب، بل تفشل في تعريف نفسها كدولة. ومع ذلك، فإن خصوصية الحالة العراقية تكمن في أن هذا الفشل لم يؤدِّ إلى انهيار كامل، بل إلى نوع من "التكيّف السلبي"، حيث يتعايش المجتمع مع غياب الدولة عبر بدائل موازية مثل مولدات الكهرباء، ومدارس خاصة، وعلاج خارج البلاد، وشبكات غير رسمية للخدمات. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يمكن إصلاح دولة فشلت في أبسط وظائفها، أم أن المطلوب هو إعادة تأسيسها من جديد على قاعدة أن الخدمة ليست امتيازاً، بل جوهر وجودها؟ ------------------------- (*) مؤلف الكتاب (روبرت آي. روتبرغ) يستخدم مفهوم "Political Goods"، وترجمته الأدق إلى العربية هي "السلع السياسية"، لا "الخدمات"، والسبب مهم: فإن كلمة "السلع" أوسع دلالة، وتشمل: الأمن، وسيادة القانون، والشرعية، والبنية المؤسسية، وهي ليست كلها "خدمات" بالمعنى المباشر. أما "الخدمات" فتوحي أكثر بـ: الماء، والكهرباء، والصحة، والتعليم، والجانب الخدمي التنفيذي فقط. بالتالي، فإن "السلع السياسية الأساسية" تعني مجمل ما يفترض بالدولة أن توفره من أمن وعدالة وخدمات تمس حياة الناس اليومية. (**) في العراق، لا يظهر الفشل دائماً في غياب الدولة، بل أحياناً في حضورها المشوَّه. فإن الدولة لم تفقد احتكار العنف بالكامل، لكنها لم تعد تحتكره فعلياً؛ ولم تَنْهَر مؤسساتها، لكنها لم تعد تعمل وفق منطق المصلحة العامة. ما نشأ هو نمط هجين: سلطة موزعة بين الدولة الرسمية وشبكات حزبية وفصائل مسلحة واقتصادات موازية. وهذا ما يجعل توصيف "الدولة الضعيفة" أو حتى "الدولة الفاشلة" غير كاف، لأننا أمام ظاهرة أعمق، وهي إعادة تشكيل الدولة نفسها على أسس ما دون الدولة. وهنا يتجاوز الواقع العراقي نموذج الكاتب روتبيرغ، الذي يفترض أن الفشل هو انحراف عن الحالة الطبيعية، بينما يبدو في العراق وكأنه أصبح "نمطاً مستقراً" بحد ذاته. |