![]() |
|
|
لبنان | لا دولة بسلاح خارجها .. ولا دولة بعصبيات داخلها
موقع الإمام الشيرازي 2/ جمادى الأولى/ 1448
ثمة حقيقة لا يجوز تجاهلها عند مقاربة العلاقة بين البيئة الشيعية والدولة اللبنانية. فكثيرون من الشيعة الذين يلتفون حول حركة أمل وحزب الله لا ينظرون إلى الدعوات المطالبة بإضعاف الثنائية الشيعية بوصفها، بالضرورة، دعوات صادقة إلى تعزيز الدولة ومؤسساتها. بل يخشى قسم منهم أن يكون المطلوب إضعاف الحضور الشيعي في المعادلة الوطنية، لا تحرير الدولة من سطوة الطوائف، وأن يكون الهدف تبديل موازين القوى بين الجماعات اللبنانية، لا إقامة دولة يتساوى فيها جميع المواطنين. قد تكون هذه المخاوف محقة في بعض جوانبها، وقد يختلط فيها الواقع بالمبالغة والذاكرة التاريخية بالحسابات السياسية الراهنة. لكن من الخطأ تجاهلها أو الاستخفاف بها. فإنه ليس كل من يتمسك بالثنائية الشيعية مقتنعاً بجميع خياراتها، وليس كل من يرفض إضعافها معادياً للدولة. وقد يكون بين هؤلاء من يريد الدولة بالفعل، لكنه يخشى أن تكون الدولة الموعودة مجرد اسم جديد لغلبة الآخرين. وهنا تبرز مسؤولية دعاة الدولة، في مختلف الطوائف، عن تقديم ضمانات وطنية وسياسية وأخلاقية لا تقوم على تطمين الشيعة بالكلام وحده، بل على إثبات الاستعداد لإخضاع الجميع، بلا استثناء، لمنطق القانون والمساواة والمحاسبة. ولا شك في أن معالجة إشكالية سلاح حزب الله تمثل استحقاقاً وطنياً حيوياً وضرورياً. فلا يستقيم قيام دولة مكتملة السيادة في بلد متعدد الطوائف والانتماءات مع استمرار وجود سلاح وقرار عسكري خارج مؤسساتها الشرعية. ولا يمكن أن يكون احتكار الدولة للقوة المسلحة مبدأً قابلاً للتجزئة أو المساومة تبعاً لهوية من يحمل السلاح. لكن الخطأ الفادح يكمن في الاعتقاد أن حل إشكالية السلاح يعني، تلقائياً، حل إشكالية الدولة اللبنانية. فقد يأتي يوم تصبح فيه جميع الأسلحة خاضعة لسلطة الدولة، فيما تبقى مؤسساتها موزعة بين الزعامات، وإداراتها خاضعة للمحسوبيات، وقضاؤها عرضة للتدخلات، ومواردها أسيرة شبكات الزبائنية، ومواطنوها مضطرين إلى الاستقواء بطوائفهم لتحصيل أبسط حقوقهم. فأي دولة نكون قد بنينا عندئذ؟ ثم؛ أي انتصار لفكرة المواطنة يتحقق إذا انتقلنا من اختلال في موازين القوة العسكرية إلى استمرار الاختلال في موازين العدالة والحقوق والفرص؟ إن السلاح خارج الدولة يمثل تحدياً مباشراً لسيادتها واحتكارها الشرعي للقوة. أما العصبيات الطائفية والقبلية والزبائنية، فإنها تنخر معنى الدولة من داخلها، وتحوّل مؤسساتها من أدوات لتحقيق الصالح العام إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمغانم. ومن هذه الزاوية، تبدو مواجهة هذه العصبيات معركة لا تقل أهمية عن معالجة السلاح، بل قد تكون أشد تعقيداً وأطول أمداً وأكثر تجذراً في البنية الاجتماعية والسياسية اللبنانية. فالسلاح، مهما طال أمده، يظل ظاهرة يمكن أن تعالجها تسوية سياسية ووطنية شاملة، تضمن السيادة والأمن والعدالة. أما العقلية التي تجعل المواطن تابعاً لزعيم، والوظيفة حصة لطائفة، والحق منّة من صاحب نفوذ، والعدالة خاضعة لهوية صاحبها، فهي قادرة على إعادة إنتاج الدولة الفاشلة، حتى في غياب أي سلاح غير شرعي. وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي أن يتوقف عندها دعاة «الشيعية الثالثة» وسائر دعاة الدولة: ليس المطلوب فقط أن يقتنع الشيعي بأن سلاح الحزب لا يمكن أن يبقى خارج الدولة، بل أن يقتنع أيضاً بأن الدولة التي سينضوي تحت سقفها ليست مشروعاً لإضعافه أو إقصائه أو تقليص حقوقه، وإنما فضاء تتساوى فيه كرامته وحقوقه وفرصه مع كرامة جميع اللبنانيين وحقوقهم وفرصهم. وهذه القناعة لا تُبنى بالخطابات وحدها، بل بسلوك الآخرين. تُبنى عندما يرى الشيعي أن المسيحي والسني والدرزي مستعدون، هم أيضاً، للتخلي عن امتياز غير عادل، ورفض محسوبية طائفية، ومحاسبة زعيم من جماعتهم، وقبول حكم القانون حتى عندما لا يخدم مصالحهم الخاصة. كما تُبنى عندما يثبت الشيعي، بدوره، استعداده لرفض الخطأ والظلم إذا صدرا عن قيادته، ولتقديم المصلحة الوطنية على العصبية المذهبية. إن التحدي الحقيقي، إذاً، ليس أن ننتقل من غلبة سلاح إلى غلبة طائفة، ولا أن نستبدل هيمنة بهيمنة مضادة. التحدي هو أن نخرج جميعاً من مفهوم الغلبة نفسه. فلبنان لا يحتاج فقط إلى نزع السلاح من خارج الدولة، بل يحتاج أيضاً إلى نزع العصبية من داخل الدولة. وإذا كان احتكار الدولة للسلاح شرطاً لقيام سيادتها، فإن تحريرها من الزبائنية والمحاصصة والقبلية الطائفية هو شرط لقيام عدالتها. والسيادة بلا عدالة تبقى ناقصة، كما أن العدالة بلا سيادة تبقى عاجزة. ولذلك، فإن نجاح أي تيار شيعي ثالث في استعادة الثقة بفكرة الدولة لن يُقاس بقدرته على إضعاف الثنائية الشيعية وحدها، بل بقدرته، وبقدرة نظرائه في الطوائف الأخرى، على إنتاج مشروع وطني يجعل الانتماء إلى الدولة أكثر أمناً وكرامة وجدوى من الاحتماء بالطائفة. ذلك أن المشكلة الأعمق في لبنان ليست فقط أن بعض اللبنانيين يمتلكون من القوة ما يتجاوز مؤسسات الدولة، بل أن كثيراً من اللبنانيين، على اختلاف طوائفهم، ما زالوا يتعاملون مع الدولة باعتبارها غنيمة لجماعاتهم، لا بيتاً مشتركاً لجميع مواطنيها. وما لم نتجاوز هذه العقلية، فقد ننجح يوماً في إنهاء إشكالية السلاح، لكننا سنبقى عاجزين عن إنهاء إشكالية لبنان. * (كاتب وأكاديمي لبناني) |