تنموياً .. العراق يتراجع ربع قرن


 

 

 

نصيف الخصاف

موقع الإمام الشيرازي

1/ جمادى الأولى/ 1448

 

 

لم يستفد العراق من الوفرة المالية التي تمتع بها خلال السنوات السابقة، باستثناء سنوات الحرب مع داعش التي تطلبت نوعاً من التقشف الذي رغم الحرب لم يشمل امتيازات بعض المتنفذين من الطبقة السياسية، وذهب جزء كبير من الإيرادات إلى جيوب الفاسدين مباشرة، فيما كان يمكن تسخيرها لتوفير مصادر دخل أخرى غير النفط، لكن لم يحدث ذلك للأسف لعدم تبني أحزاب السلطة، برامج تنموية كفيلة بردم الفجوة في مؤشرات التنمية بين العراق، وجيرانه على أقل تقدير، أو في أسوأ الأحوال، مجرد بقائه في الترتيب الذي كان عليه قبل ربع قرن.

فلو أخذنا تقارير التنمية البشرية الصادرة عن الأمم المتحدة، كمرجع يتسم بالموثوقية والاستقلال، لرأينا أنّ العراق احتل في عام 2000، المرتبة 126 من بين 174 دولة، ما يعني أنه كان يتفوق على نحو 28 بالمئة فقط من الدول المدرجة.

وتحسّن هذا الموقع النسبي بحلول عام 2015 عندما جاء العراق في المرتبة 121 من بين 188 دولة (متفوقاً على نحو 36 بالمئة من الدول)، مع أنّ الأموال التي أنفقت بين سنة 2000 وسنة 2015، كانت كفيلة بنقله إلى مرتبة أعلى، ومع ذلك فهذا الوضع انتكس بحلول عام 2025، حيث تراجع العراق مجدداً إلى المرتبة 126 من بين 193 دولة (ليتفوق على نحو 35 بالمئة فقط).

وبعبارة أخرى، فإن مكانة العراق النسبية مقارنة ببقية دول العالم في عام 2025 قد عادت تقريباً إلى المستوى ذاته الذي كانت عليه في عام 2000، على الرغم من مرور خمسة وعشرين عاماً وارتفاع قيمة المؤشر نفسه بمقدار 0.112 نقطة.

وسبب ذلك ببساطة هو إخفاق حكومات ما بعد 2003 في العراق في مجاراة وتيرة التحسن التي حققتها معظم الدول الأخرى خلال الفترة نفسها، وبسبب طغيان إرادة بناء السلطة على إرادة بناء الدولة.

بلغ إجمالي الدخل القومي للفرد، مقاساً بدولارات تعادل القوة الشرائية (PPP)، نحو 3,197 دولاراً في عام 1998، ثم قفز إلى 14,003 دولارات في عام 2014 بفضل ارتفاع الإيرادات النفطية، قبل أن يعود ويهبط إلى 12,654 دولاراً فقط في عام 2023 — وهو انخفاض يقارب 9.6 بالمئة على مدى تسع سنوات.

يأتي هذا بالرغم من أن تقرير عام 2025 يستخدم سنة أساس لتعادل القوة الشرائية أحدث (2021) مقارنة بتقرير عام 2015 (2011)، ما يعني أن التراجع الحقيقي قد يكون أكبر من ذلك عند توحيد سنة الأساس.

إن هذا التحول العكسي في مسار الدخل بين عامي 2015 و2025 — بعد خمسة عشر عاماً من النمو شبه المستمر منذ عام 2000 — يمثل انقطاعاً حقيقياً في مسار مستويات معيشة العراقيين، تزامناً مع فترة انخفاض أسعار النفط العالمية وتبعات الحرب ضد تنظيم داعش.

وثمة تفصيلات مؤلمة في أغلب القطاعات، فمثلاً، لم يرتفع متوسط سنوات الدراسة الفعلي سوى من 6.4 إلى 6.8 سنة بين عامي 2014 و2023 — وهي زيادة تقل عن نصف سنة خلال ما يقرب من عقد، وتُعد من بين أبطأ المؤشرات الفرعية حركة بين الدول.

وهبط ترتيب العراق على مؤشر عدم المساواة بين الجنسين (GII) من المرتبة 123 إلى 148. فقد ارتفعت نسبة وفيات الأمهات من 67 إلى 76 حالة وفاة لكل 100,000 مولود حي، وهبطت نسبة البالغين الحاصلين على مستوى تعليمي ثانوي على الأقل من 27.8 إلى 24.5 بالمئة بين النساء، ومن 50.2 إلى 39.8 بالمئة بين الرجال، كما انخفضت نسبة المشاركة في القوة العاملة لكلا الجنسين — من 14.9 إلى 10.7 بالمئة للنساء، ومن 69.8 إلى 67.2 بالمئة للرجال.

كل هذه المؤشرات الأربعة - وفيات الأمهات، والتحصيل العلمي لكلا الجنسين، والمشاركة في سوق العمل - قد تحركت في الاتجاه المعاكس بين التقريرين، ولم تبق محافظة على ترتيبها الذي كانت عليه قبل ربع قرن.

* (كاتب عراقي)