العراق .. ابتذال الواقع السياسي


 

 

أحمد سعداوي

موقع الإمام الشيرازي

2/ ربيع الأول/ 1448

 

 

من حيث لا يقصد، ربّما أزاح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ورقة التوت الأخيرة عن عورة النظام السياسي. فعمليات اعتقال شخصيات سياسية وإدارية من الصفَّين الثاني والثالث، بتهم الفساد واستغلال المناصب، لم تبعث الطمأنينة في الرأي العام بقدر ما أثارت فضوله وتوقّعاته بشأن ما تكتنزه قيادات الصفّ الأوّل من أموال السحت الحرام.

لا أحد يصدّق، بطبيعة الحال، أنّ شخصيات الصفّ الأوّل مبرَّأة من الفساد. وما يقوم به الزيدي لا ينشّط الدورة الدموية في جسم النظام السياسي بقدر ما يكشف مقدار تفسّخه.

قبل أسابيع، تردّدت أخبار عن احتمال اعتقال أحمد الأسدي (عضو ائتلاف الإعمار والتنمية، والمتحدّث السابق باسم الحشد الشعبي)، ثمّ نُفي الخبر، وكشف الأسدي أنّه موجود في أستراليا (يحمل جنسيتها) لتلقّي العلاج، وأنّه سيعود بعد انتهائه. لكن في 9 أغسطس/ آب الجاري ظهر أنّ القضاء أصدر بالفعل أمرَين بالقبض على الوزير السابق أحمد الأسدي، يتعلّق الأوّل بالكسب غير المشروع وعدم إثبات مشروعية الزيادة في أمواله، والآخر بشبهات الانتفاع من تعاقدات حكومية.

وسرعان ما انتشرت، بشيء من السخرية أو التشفّي، صورٌ ومقاطعُ فيديو قديمة للأسدي في مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها مشاركاً في عزاء عاشوراء، أو ملقياً للمواعظ والحِكَم، أو مرتدياً بذلة الحشد الشعبي.

الرأسمال الرمزي، الروحي والأخلاقي، المستند إلى قيم إسلامية أو إلى مبادئ مأخوذة من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وسيرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وشكّل العصب الأساسي لصعود تيّارات الإسلام السياسي الشيعي خلال العقدَين الماضيَين، قارب النفاد. وصار ترديد طبقة سياسية متهمة بالفساد حتّى العظم الشعارات ذات الرنين الديني لا يدلّ إلا على ابتذال سياسي، ويثير الاشمئزاز أكثر ممّا يثير السخرية.

أيّ بائع شاي في شوارع بغداد، أو سائق سيارة أجرة، يستطيع أن يقول اليوم بضرس قاطع إنّ الأسدي، إن ثبتت الاتهامات بحقّه، لم يهبط من السماء ليقوم وحده بما يُنسب إليه، وإنّما هو جزء صغير من منظومة فساد هائلة يديرها كبار ما زالوا يقدّمون أنفسهم بوصفهم آباءً للعملية السياسية، ولا يتحرّجون، في الوقت نفسه، من الظهور في وسائل الإعلام للشدّ على يد رئيس الوزراء وتأييده في حملته على الفساد.

قبل عقدَين، وفي العرف الشعبي العراقي، كانت صورة الرجل القريب من الدين تترك انطباعاً إيجابياً، فهذا إنسان "يخاف الله"، كما يقول التعبير الشعبي؛ مأمون الجانب، يمكن أن تستأمنه على مالك، أو تقبله حكماً في خصومة. أمّا اليوم، فقد صار الصابر على تديّنه الحقيقي، المرتبط بالضمير والأعماق، كالقابض على الجمر، وسط هذا القدر من الرياء والتجارة الإعلامية بالدين لكسب أصوات البسطاء.

لا بدّ أن تأتي لحظة لإعادة "ضبط المصنع"، كما يقال في عالم الهواتف، وإعادة تعريف الأشياء من جديد. فالسياسة، بما هي سلوك إنساني واجتماعي، مرتبطة بالأخلاق أيضاً. وهناك عشرات الأمثلة التي تؤكّد ذلك؛ منها استقالة الرئيس الألماني كريستيان فولف عام 2012 لمجرّد أنّ الادعاء طلب رفع حصانته للتحقيق في شبهات تتعلّق بمنافع تلقّاها، قبل أن يُبرّأ قضائياً بعد عامَين. وكذلك استقالة وزيرة الثقافة السويدية سيسيليا ستيغو شيلو بعد أيّام من تعيينها بسبب عدم دفعها رسوم التلفزيون وضرائب عاملة منزلية.

ضعف القانون في العراق، أو تحوّله إلى أداة بيد المتنفّذين، والتكالب الحزبي على تقاسم منافع المال العام، والعسف الذي يمارسه كثير من أتباع الأحزاب في تعاملاتهم اليومية، دفع المجتمع تدريجياً إلى نوع من الفوضى الأخلاقية. فالجميع يردّد الشعارات المثالية، لكن الفضائح لم تعد تأتي من حلبة السياسة وحدها، وإنّما من المجتمع أيضاً. ولسان حال المنحرفين فيه يقول: لماذا تحاسبني ولا تحاسب ذلك القيادي صاحب المليشيا الذي ينفق الأموال الطائلة على "بلوغرات" و"فاشنستات"، يستأجر لهنّ الشُقَق ويشتري لهنّ السيارات الفارهة، ثمّ يلطم على الحسين في مواسم العزاء ويدّعي الدفاع عن الإسلام؟

حين تنهار أخلاق القدوة في الأعلى، أو تجرّ سُحُبُ القيادات السياسية للمنظومة الأخلاقية والدينية للتورّط بوحل الفساد، لا يبقى فساد القمّة في القمّة، وإنّما يتسرّب إلى الأسفل، ويصبح مبرّراً يومياً لانهيار المعايير في المجتمع كلّه.

* (كاتب وروائي عراقي)