![]() |
|
|
التشيّع .. من الانتماء المذهبي إلى المشروع الأخلاقي
موقع الإمام الشيرازي 20/ ذو الحجة/ 1447
حين يتحول الانتماء من عصبية مغلقة إلى التزام بالعدالة، تصبح الهوية موقفاً أخلاقياً لا مجرد شعار
ليست الطوائف في جوهرها مجرد أرقامٍ ديموغرافية أو عناوين سياسية تُستخدم في صراعات السلطة، بل هي ـ حين تكون حيّة ـ تعبيرٌ عن تاريخٍ طويل من الأفكار والتضحيات والقيم والرؤى التي تشكل وعي الجماعات ومسارها في الحياة. ومن هنا، فإن اختزال الشيعة في صورةٍ سياسية ضيقة، أو التعامل معهم كأداة ظرفية في مشاريع الداخل والخارج، لا يمثل فقط ظلمًا تاريخيًا، بل يكشف أيضًا جهلًا عميقًا بحقيقة هذه الجماعة ومسيرتها الممتدة عبر القرون. فإن الشيعة، في أصل مفهومهم العقائدي والفكري، لم يكونوا مجرد فرقة مذهبية بالمعنى التقليدي الضيق، بل حالة انحيازٍ إلى مشروعٍ أخلاقي وإنساني ارتبط بالإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بوصفه رمزًا للعدالة والصدق والكرامة والوقوف إلى جانب المظلوم. فـ التشيّع، في جوهره الأول، لم يكن بحثًا عن سلطة أو امتياز، بل كان تمسّكًا بفكرة أن الحق لا يُقاس بالقوة ولا بالكثرة، بل بالموقف والمبدأ. ومن هنا نشأت هذه المدرسة على فكرة التضحية والثبات، لا على ثقافة الغلبة والاستعلاء. ذاكرة التضحيات: حين كان الانتماء ثمنًا للخوف والملاحقة ولذلك، لم يكن تاريخ الشيعة تاريخ رفاهٍ سياسي أو امتياز دائم، بل كان في كثيرٍ من مراحله تاريخ مطاردةٍ وقمعٍ وتهميشٍ وتشريد. عاشت جماعاتٌ منهم في الخوف والملاحقة، وسقط منهم آلاف الضحايا عبر التاريخ لأنهم تمسكوا بهويةٍ فكرية وعقائدية رأوا فيها امتدادًا لقيم أهل البيت (عليهم السلام). وحين يتحدث البعض اليوم بلغة المزايدة في الجهاد والإسلام والتديّن، فإن الذاكرة لا يمكن أن تُمحى بسهولة. فأين كان هؤلاء يوم كان مجرد الانتماء إلى المقاومة أو التلفّظ بخيار المواجهة يفتح أبواب القتل والتهجير والتشريد؟ أين كانوا حين كانت القرى تُقصف، والعائلات تعيش في المغاور والملاجئ، والناس يواجهون الخوف والفقر والحرمان؟ إن من عاش التضحيات ليس كمن استثمرها، ومن حمل الألم ليس كمن حوّله إلى وسيلة نفوذٍ ومكسب. ولذلك يشعر كثيرون بالألم حين يرون دماء الشباب التي سقطت دفاعًا عن الأرض والناس تُستخدم أحيانًا لتثبيت امتيازات دنيوية أو تبرير صراعات سلطة لا تشبه جوهر القضية التي ضحّى الناس لأجلها. بين القيم والاستثمار السياسي للدين فإن مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم تُبنَ على استغلال الناس ولا على تحويل الجماهير إلى وقودٍ دائم لمشاريع النفوذ، بل قامت على نصرة المظلوم، وصيانة الكرامة الإنسانية، وربط القوة بالأخلاق، لا بالمصلحة المجردة. ولذلك، فإن أي محاولة لتحويل التضحيات إلى تجارة سياسية أو وسيلة لإخضاع الناس باسم الدين أو المقاومة، تمثل انحرافًا عن روح هذه المدرسة قبل أن تكون خلافًا سياسيًا عابرًا. وليفهم القاصي والداني أن الشيعة ليسوا "مكسَر عصا" لأحد، لا لقريبٍ ولا لبعيد، وليسوا جماعة يمكن التضحية بها كلما اقتضت الحسابات الإقليمية أو الداخلية ذلك. إنهم جزء أصيل من نسيج هذا الوطن، ساهموا في بنائه، ودفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عنه وعن أرضه وكرامة ناسه. الشيعة: حضورٌ حضاري لا ظاهرة عابرة الشيعة ليسوا حالة طارئة في التاريخ ولا ظاهرةً مؤقتة في الجغرافيا، بل هم امتداد حضاري وفكري وعلمي وإنساني عميق. ففي تاريخهم علماء ومفكرون وفقهاء وأدباء ومجاهدون، وفي تراثهم منظومة واسعة من الفكر والأخلاق والقيم التي لا يمكن اختزالها بصورة نمطية أو خطاب تحريضي عابر. ومن يحاول شيطنة هذه الجماعة أو تصويرها كخطرٍ دائم على الآخرين، فإنه يتجاهل حقيقة أن الجماعات لا تُقاس فقط بأخطائها أو بتجارب بعض المنتسبين إليها، بل أيضًا بتاريخها الطويل من العطاء والتضحيات والصبر. فكم من الدماء سقطت دفاعًا عن الأرض، وكم من العائلات دفعت أثمانًا قاسية من أجل أن يبقى الناس في بيوتهم وأرضهم. كما أن اختزال الشيعة في صورة الحرب والمظلومية وحدها يُعد ظلمًا آخر لهذه التجربة التاريخية، لأن هذه الجماعة لم تكن يومًا مجرد حالة قتالية أو سياسية، بل ساهمت عبر قرون في إنتاج المعرفة والفكر والفقه والفلسفة والأدب. ففي مدارسها الفكرية نشأت اجتهادات كبرى، وبرز علماء ومفكرون تركوا أثرًا عميقًا في الثقافة الإسلامية والإنسانية، ما يجعل التشيّع تجربة حضارية متكاملة لا مجرد رد فعل سياسي على الظلم أو الصراع. الوعي في مواجهة الاستغلال ومع ذلك، فإن الدفاع عن الجماعة لا يعني تقديس كل من يتحدث باسمها، ولا تبرئة كل التجارب السياسية التي ارتبطت بها. فكما يوجد ظلمٌ خارجي ومحاولات استهداف وتهميش، يوجد أيضًا خطر داخلي يتمثل في استغلال العاطفة الدينية أو التضحيات الشعبية لتحويل الناس إلى أدوات ضمن مشاريع نفوذ وسلطة. وهنا تكمن المأساة الكبرى: حين تتحول القيم التي وُجدت لحماية الإنسان إلى وسائل للسيطرة عليه، وحين يصبح الخوف على الجماعة مدخلًا لإسكات النقد أو تعطيل المساءلة. إن الجماعات التي قدّمت تضحيات هائلة تصبح أحيانًا أكثر عرضة للاستغلال، لأن الألم الجمعي يمنح أي سلطة قدرة على إعادة إنتاج الشرعية عبر استحضار الذاكرة والخطر والخوف. ولذلك، فإن الوعي الحقيقي لا يكون فقط بحفظ التاريخ، بل أيضًا بمنع تحويل هذا التاريخ إلى وسيلة احتكار للحقيقة أو مصادرة لحق الناس في التفكير والمحاسبة. الهوية بين العدالة والتعصّب غير أن الاعتزاز بالهوية لا ينبغي أن يتحول إلى تعصّب أعمى أو شعورٍ بالتفوّق على الآخرين، لأن القيم التي قامت عليها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هي نفسها التي تدعو إلى العدل والرحمة والصدق واحترام الإنسان. فالقضية ليست صراع هويات مغلقة بقدر ما هي صراع بين منطق العدالة ومنطق الاستغلال، بين من يرى الإنسان قيمةً بحد ذاته، ومن يراه مجرد أداة في مشاريع السلطة. ولهذا، فإن مستقبل الشيعة ـ كما مستقبل أي جماعة في هذا الشرق المتعب ـ لا يمكن أن يُبنى على عقلية الثأر أو الانغلاق أو التجييش الدائم، بل على استعادة البعد الأخلاقي والإنساني الذي شكّل جوهر هذه المدرسة الكريمة منذ بداياتها الأولى. فالقوة الحقيقية لا تكمن فقط في السلاح أو العدد أو النفوذ، بل في القدرة على الحفاظ على المبادئ حين تغري السلطة، وعلى حماية الإنسان حين تدفع المصالح نحو استباحته. من الطائفة إلى الشراكة الوطنية كما أن حماية الشيعة الحقيقيّة لا تكون بعزلهم عن محيطهم الوطني أو بتكريس القطيعة مع بقية المكوّنات، بل بتثبيت حضورهم كشريكٍ أصيل في بناء دولة عادلة يشعر فيها الجميع بالأمان والكرامة. فالهويات حين تنغلق على خوفها تتحول إلى سجونٍ جماعية، أما حين تنفتح على مشروع عدالة وكرامة مشترك فإنها تتحول إلى قوة استقرار وبناء. أزمة الشرق واستنزاف الجماعات إن أزمة الشيعة اليوم ليست منفصلة عن أزمة الشرق بأكمله؛ حيث تتحول الطوائف والجماعات التي دفعت أثمانًا كبيرة إلى ساحات استنزافٍ دائم، وتصبح التضحيات مادةً للاستثمار السياسي بدل أن تكون دافعًا لبناء إنسانٍ أكثر حرية ووعيًا. وفي هذا المناخ يضيع الإنسان بين قداسة الشعارات وسطوة السلطة، ويصبح الخلط بين الدين والسياسة وسيلةً لإرباك الوعي ومنع الناس من التمييز بين قدسية القيم وأخطاء البشر. ولهذا، فإن المعركة الأعمق ليست معركة هوية ضد هوية، ولا طائفة ضد طائفة، بل معركة وعيٍ ضد الاستغلال، وعدالةٍ ضد التوظيف السياسي للدين، وإنسانيةٍ ضد تحويل البشر إلى وقود دائم للصراعات والمشاريع. التشيّع كرسالة أخلاقية وإنسانية إن الانتماء الحقيقي لمدرسة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالسير على خط العدالة والكرامة والصدق، ورفض تحويل الدين إلى وسيلة قهرٍ أو تجارة نفوذ. وحين يبقى الإنسان وفيًّا لهذه القيم، يصبح التشيّع موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون مجرد انتماءٍ مذهبي، ورسالة وعيٍ وإنسانية قبل أن يكون عنوانًا سياسيًا عابرًا. * (كاتب وباحث لبناني) |