إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. إدانة عامّة وسؤال للتاريخ


 

 

موقع الإمام الشيرازي

17 / ذو الحجة/ 1447

 

 

أزمة الصحة في العراق ليست فوضى عرضية؛ هي فوضى منظّمة تخدم شبكات الزبائنية السياسية على حساب المريض العراقي. بالتالي، فإن المنظومة الصحية في العراق جريمة منظمة بحق الشعب، وتشكّل إدانة للجميع وسؤالاً كبيراً للتاريخ

 

حين يقف وزير الصحة الجديد عبد الحسين الموسوي أمام الكاميرات ليصف الوزارة التي تسلّمها بأنها "متهالكة وهرمة ووضعها مزري"، ويؤكد أن التخطيط في القطاع الصحي "بائس منذ سنوات طويلة"، فإن هذا التصريح لا يُقرأ فقط على أنه اعتراف بالواقع، بل هو في جوهره وثيقة إدانة تاريخية تطال الجميع دون استثناء. بالتأكيد، ليس هذا خطأ وزير واحد، ولا إهمال حكومة بعينها. ما كشفه الموسوي هو ناتج عشرين سنة من السياسة الصحية الفاشلة، تراكمت فيها الذنوب وتوزعت المسؤوليات على طيف واسع: من الطبقة السياسية الحاكمة، إلى الإعلام الديني الصامت، إلى النخب الثقافية المتفرجة، وصولاً إلى المجتمع الذي آثر السكوت على المواجهة.

لا تحتاج أزمة الصحة العراقية إلى بلاغة في الوصف؛ يكفي أن نواجه الأرقام مواجهةً صريحة:

* 0.8 سرير مستشفى فقط لكل 1000 مواطن في العراق، في حين تشترط معايير منظمة الصحة العالمية 3  أسرة لكل 1000 مواطن. أي أن العراق يملك ما يقل عن ثلث الحد الأدنى المقبول دولياً.

* الإنفاق الصحي للفرد لا يتجاوز 150-160 دولاراً سنوياً فقط، نصفه يذهب في رواتب الموظفين، أي أن الإنفاق الفعلي على الرعاية الصحية لا يتخطى 75-80 دولاراً للمواطن. وللمقارنة، يبلغ هذا الرقم في الأردن – الدولة التي لا تمتلك نفطاً بحجم العراق – نحو 767  دولاراً للفرد سنوياً. أي أن المواطن الأردني يحظى بما يزيد عن عشرة أضعاف ما يحظى به المواطن العراقي من الرعاية الصحية.

* 98 كلية صيدلة تعمل في العراق، أكثر من 70 منها خاصة، تُخرّج آلاف الخريجين سنوياً في تضخم أكاديمي أعمى لا يستجيب لحاجات سوق العمل ولا لاحتياجات المنظومة الصحية. والنتيجة؟ أكثر من 60  ألف صيدلي حاملي هويات نقابية، في ظل نقص حاد في الكوادر الطبية الفعلية على أرض المستشفيات.

* 21 ألف صيدلية في القطاع الخاص، فضلاً عن أكثر من 30  ألف صيدلية ومذخر داخل الوزارة ذاتها – في الوقت أن هناك شُح في الرعاية الطبية الحقيقية.

* ملفات تعيين خريجي المهن الطبية والصحية والتمريضية لدفعات 2023  و 2024 و 2025 لا تزال حبيسة الأدراج البيروقراطية، في حين تئن المستشفيات من شُح الكوادر.

هذه الأرقام لا تصف واقعاً متردياً وفوضى تضرب هذا القطاع الخدمي المهم فحسب، بل تكشف عن غياب شبه تام لسياسة صحية وطنية طوال عقود.

ما يجعل الأزمة الصحية العراقية مأساةً مركّبة هو أنها لم تنتج عن شُح الموارد، بل عن سوء توزيع الموارد الوفيرة وغياب الإرادة في الإصلاح .. العراق ليس دولة فقيرة؛ هو دولة غنية بالنفط والثروات تُحكمها طبقة سياسية فقيرة الرؤية والضمير.

التوسع الأعمى في كليات الصيدلة الخاصة مثال صارخ. إذ لم يكن هذا التوسع استجابة لحاجة صحية، بل كان صناعة لتراخيص مربحة تدور في فلك المصالح الحزبية والعائلية. في الوقت نفسه، فإن الجامعات الخاصة التي فتحت كليات طبية وصيدلانية وتمريضية بلا معايير حقيقية كانت في جوهرها مشاريع استثمارية، لا مشاريع تعليمية وطنية. وحين يصل الوزير إلى منصبه ليكتشف هذا الكم الهائل من الخريجين العاطلين والصيدليات الفائضة، فهو يحصد ما زرعه من سبقه من إهمال للتخطيط الاستراتيجي. أما فوضى التوظيف فحدّث ولا حرج؛ فالصيدلي يُعيَّن في وزارات لا علاقة لها بالصحة، والطبيب يُدرَج في ملف الوساطة والمحسوبية، بينما غرف الطوارئ تعاني من نقص حاد في الكوادر المدرّبة. هذه ليست فوضى عرضية؛ هي فوضى منظّمة تخدم شبكات الزبائنية السياسية على حساب المريض العراقي.

وهنا يكمن الجرح الأعمق والأكثر إيلاماً. منذ عام 2003، تولّى وزارة الصحة العراقية وزراء من أحزاب "إسلامية شيعية"، ترفع شعارات الولاء لقيم أهل البيت (عليهم السلام)، وتزيّن خطابها بمفردات التقوى والأمانة والعدالة والرحمة. هؤلاء الوزراء أنفسهم كانوا يحضرون الزيارات الأربعينية والشعبانية ليُقيموا مؤتمرات صحفية بهّاجة عن توفير أفضل الخدمات الصحية لملايين الزوار.

التناقض هنا ليس مجرد إخفاق إداري؛ هو تناقض أخلاقي ديني بالغ الخطورة.

كيف تقيم مؤتمراً صحفياً عن خدمة ملايين الزوار، أكثر من مرة في كل عام، بينما المواطن العراقي يرقد في مستشفى يملك أقل من ثلث الأسرة التي يكفل معياره الدولي؟!! كيف ترفع لافتات الولاء للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، رمز العدالة، وأنت تهدر ثروات الشعب وأموال الدولة وتتركها تتسرب في قنوات الفساد؟!! قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم" (نهج البلاغة: خطبة 167). فكيف بالمسؤولية عن أرواح البشر وصحة الإنسان؟! وحين يقول النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله): "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة" (بحار الأنوار: ج68 – ص9)، فكأنما كان يصف بدقة حالة الطبقة السياسية العراقية التي أتقنت طنطنة الشعارات وأضاعت الأمانة.

والمفارقة المؤلمة، أن جهات دينية وإعلام ديني يصرّح، بين حين وآخر، أن العراق يستعدّ لاستقبال 30 إلى 50 مليون زائر ديني في السنوات المستقبلية، بينما المنظومة الصحية تنوء تحت ثقل 45 مليون مواطن لا تكفيهم الخدمة الراهنة!! هل هذا معقول؟! هل العراق الذي يُقدَّم شعاراتياً بوصفه "عراق أهل البيت" يليق به أن يكون أدنى حتى من الجار الأردني في الإنفاق الصحي على مواطنيه؟!

أما الحديث عن المستشفيات التي تُسمّى "خيرية" فهو حديث يكشف عن طبقة جديدة من الجرح، أكثر إيلاماً وأشد فجاجةً من سابقتها. ذلك أن المسألة لا تقف عند إهمال الدولة للقطاع الصحي، بل تمتد إلى ما هو أعمق، وهو التوظيف الديني للثروة الوقفية والخيرية في غير مساره الشرعي والإنساني.

إشكالية الإعلام الديني

من أكثر الظواهر إثارة للاستغراب والأسى في المشهد العراقي هو غياب الإعلام الديني عن ملف الصحة، أو تغييبه الطوعي على الأصح. فإن القنوات الدينية والمنابر الحسينية التي لا تتوقف عن البث ليلاً ونهاراً، والتي تحتل أثير الفضائيات بالمواعظ والشعائر، تُحجِم بشكل شبه كامل عن تناول واقع المستشفيات المتهالكة، وملفات الفساد في الشراء الطبي، ونقص الأدوية (والأدوية المزيفة) في الصيدليات الحكومية. وحين يقول الله سبحانه وتعالى: (مَنْ أَحْيَا نَفْساً فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)(المائدة: 32)، فأي قضية أجدر بالإعلام الديني من قضية إحياء المنظومة الصحية وإنقاذ الأرواح؟!! لاسيما أن وزراء الصحة كلهم من الشيعة ويقدمون أنفسهم أنهم من أهل الإيمان والصلاح والتقوى!! الإجابة المُرَّة هي أن كثيراً من هذا الإعلام يرتبط بتمويل حكومي أو مموّلين من الطبقة السياسية ذاتها، فيصبح الصمت ضريبة المصالح الضيقة. وهذا في حد ذاته خيانة للرسالة الدينية التي تقوم في جوهرها على قول الحق وإنكار الظلم.

في السياق، لا يمكن إسقاط المسؤولية كاملة على السياسيين والإعلام أو الإعلام الديني، وإعفاء النخبة الثقافية والأكاديمية والمجتمع من نصيبها. المثقفون الذين يملكون أدوات التحليل والنقد وآثروا السكوت، والأطباء الذين هربوا من البلد بدلاً من المقاومة والإصلاح، والمجتمع الذي قبل بالأمر الواقع وعوّد أبناءه على السياحة الطبية خارج البلاد بوصفها حلاً بديلاً عن المطالبة بحقهم الصحي – هؤلاء جميعاً شركاء غير مباشرون في استمرار الأزمة. السياحة الطبية إلى إيران والأردن ولبنان والهند ليست حلاً؛ هي انسحاب من المعركة وترك الساحة لمن يزيد الوضع سوءاً.

ما يجب أن يحدث؟

تصريحات وزير الصحة الجديدة قد تكون بداية صادقة، وقد تكون مجرد استعراض لـ "وزير جديد غير ملوّث". الاختبار الحقيقي في الأفعال لا في الكلام. غير أن ثمة مساراً إصلاحياً جوهرياً لا مناص منه:

(1) على الصعيد العاجل:

*  تفعيل خلية الأزمة التي أعلن عنها الوزير الجديد بصلاحيات حقيقية وشفافية في النتائج.

* حل ملف التعيينات المتراكمة لخريجي المهن الصحية لدفعات 2023-2025 وإلحاق من بحاجة لهم الوزارة فعلاً بالمنظومة الصحية فوراً.

* مراجعة تراخيص الكليات الصحية الخاصة وفق معايير جودة صارمة وإغلاق غير المستوفية منها.

(2) على الصعيد المتوسط:

* رفع الإنفاق الصحي للفرد تدريجياً نحو المعايير الإقليمية، مع ربط الزيادة بمخرجات قابلة للقياس.

* إطلاق برنامج وطني لبناء المستشفيات والمراكز الصحية لرفع معدل الأسرة من 0.8 إلى الحد الأدنى الدولي البالغ 3 أسرة لكل 1000 مواطن.

* استحداث هيئة رقابية مستقلة على الشراء الطبي والدوائي.

(3) على الصعيد البنيوي:

* فصل القرار الصحي عن الوصاية الحزبية، وجعل منصب وزير الصحة (ووكلاء الوزير والمدراء العامين ومدراء المستشفيات) مشروطاً بكفاءة مهنية لا بحصص طائفية.

* الاستثمار الجاد في الاحتفاظ بالكوادر الطبية المتميزة داخل البلد وتحفيزها، عوضاً عن نزيف الكفاءات الذي أفقر المنظومة الصحية.

المسؤولية والمحاسبة

يقول الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)( القصص: 83). وفي وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "ليس من شيعتنا من يظلم الناس" (بحار الأنوار: ج75 - ص280). هذان النصان الكريمان وحدهما كافيان لمحاكمة كل من أمسك بزمام القطاع الصحي في العراق طوال عشرين عاماً وتركه على هذا الحال. المريض الذي مات في ممرات مستشفى بلا سرير، والطفل الذي لم تتوفر له دواء في صيدلية حكومية، والمواطن الذي باع بيته ليسافر للعلاج خارج البلد – كل هؤلاء شهود في قضية كبرى لن تنتهي في دوائر البرلمان، بل في محكمة الضمير والتاريخ، وفوق ذلك كله في المحكمة التي لا تخطئ ولا تنام: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)( الحجر: 92).

----------------------------------

مقالات ذات صلة

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقموعون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُسْتَلَبون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منهوبون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. بائسون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُهْمَلون في وطنهم

 إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. غرباءٌ في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقهورون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مخذولون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منسيون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. طرق الموت