إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقموعون في وطنهم


تركة العشرين عاماً المريرة .. أمام مسؤولية الحكومة الجديدة

 

 

موقع الإمام الشيرازي

13 / ذو الحجة / 1447

 

 

الحق في حرية التعبير .. احترام الرأي والرأي الآخر هو الحجر الأساس لنجاح أي حوار بنَاء، والسبيل الأوحد لبناء مجتمعات متسامحة ومتعاونة وناهضة

 

حين سقط النظام البعثي عام 2003، كانت حرية التعبير من أول الأحلام التي أعلن العراقيون تشوّقهم إليها. كانت جدران بغداد ومدنها الأخرى تُكتَب عليها شعارات ومواقف لم يجرؤ أحد على قولها طوال عقود، وكانت الصحف والقنوات الفضائية تنبثق كالفطر في موسم المطر، وكان الناس يتحدثون جهاراً عمّا أضمروه سراً طويلاً، غير أن هذا الربيع لم يطل. فبعد أكثر من عشرين سنة من التجربة الديمقراطية المعلنة، يجد العراق نفسه أمام معادلة مرّة .. طبقة سياسية ترفع شعارات الإسلام والعدالة والولاء لقيم آل بيت النبوّة، في الوقت الذي تمارس فيه من القمع وتكميم الأفواه ما يناقض هذه الشعارات في الجوهر والجذر. ومفارقة التاريخ هنا صارخة ومؤلمة: أن الحكومات بعد 2003 تمارس قمعاً للصحافة رغم أنها تتزيّا بزيّ الإسلام الذي كفل الحريات وترفع راية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الحاكم العادل، الذي وفَّر أوسع الحريات حتى لأعدائه ومبغضيه، رمزاً وشعاراً.

ما يميّز المرحلة الراهنة عن مراحل سابقة أن القمع بات موثّقاً بالأرقام والشواهد، لا مجرد شكاوى فردية يمكن التشكيك فيها. فقد كشف (مركز النخيل للحقوق والحريات الصحفية) أن حكومة محمد شياع السوداني (2022-2026) غادرت السلطة وفي سجلّها نحو ألف انتهاك بحق الصحفيين وحرية الصحافة، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ العراق ما بعد 2003. بل إن مؤشر حرية الصحافة الدولي سجّل خلال سنوات هذه الحكومة أسوأ نقاط عراقية منذ التغيير، إذ تراوحت بين 25 و30 نقطة، في حين كانت تتراوح بين 45 و75 قبل عام 2022. هذا الانهيار الحاد في المؤشر لا يعكس مجرد تراجع، بل يعكس سياسة ممنهجة ومتعمّدة.

وقد وصف المحلل السياسي محمد نعناع هذه المرحلة بأنها مرحلة "خنق حرية الرأي والتعبير، واستغلال السلطة للقمع والتكميم والتنكيل"، فيما رأى الباحث العراقي د. حيدر سعيد أن "ما جرى في السنوات الأخيرة هو الأسوأ والأكبر من ناحية انتهاكات السلطة لحق التعبير منذ العام 2003". أيضاً قال أسعد الزلزلي (صحفي استقصائي) أن "العراق تحول إلى نظام بوليسي بالنسبة للصحافة في السنوات الأربع من حكومة السوداني!!" هذه الشهادات، مجتمعةً مع الأرقام، ترسم صورة واضحة، وهي لم يكن ما جرى انزلاقاً عفوياً، بل كان مساراً مقصوداً. بالتالي، ما يميز قمع حرية التعبير في العراق اليوم عن قمع الديكتاتوريات الكلاسيكية، هو أنه يتوارى خلف أقنعة مؤسسية متعددة؛ فلا يوجد جهاز رقابة واحد معلن، بل منظومة من الأدوات تعمل بتنسيق صامت.

وقبل الحديث عن آليات القمع المؤسسي، لا بد من الوقوف عند اللحظة التي كشفت بجلاء أن السلطة السياسية لا تتحمل صوت الشارع حين يرتفع بجدية كما في انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 2019. فإنه في ذلك الخريف، خرج مئات الآلاف من الشباب العراقي إلى الشوارع في انتفاضة غير مسبوقة منذ 2003، لا يحملون سلاحاً بل مطالب طبيعية وعادية كمحاربة الفساد، وتوفير الخدمات، واسترداد كرامة المواطن والوطن. انتفاضة تشرين كانت في جوهرها صرخة حرية تعبير جماعية، حين وجد الشعب أن صندوق الانتخابات لم يُغيّر شيئاً، فنزل إلى الساحات ليقول ما لم تقله السياسة. لكن الرد كان الرصاص الحي والقنابل الدمعية التي استُخدِمَت قذائف مباشرة، فسقط أكثر من 600 شهيد وعشرات آلاف الجرحى. ثم جاءت موجة اغتيالات طالت الناشطين والإعلاميين والأصوات المؤثرة في الحراك التشريني، كثير منها لم تُكشَف جهاتها حتى اليوم. ومن لم يُغتَل طُورد أو هُدِّد أو اختفى. تشرين إذاً ليست حدثاً في الماضي، بل هي السياق الذي تُقرأ فيه كل انتهاكات حرية التعبير اللاحقة. فإن السلطة التي أسكتت الشارع بالرصاص عام 2019، لن تتوقف عن إسكات القلم والميكروفون بعد ذلك. وعلى هامش تلك الأحداث، تجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الناشطين والصحفيين الذين واكبوا الانتفاضة وثّقوا انتهاكاتها، وجدوا أنفسهم لاحقاً أمام دعاوى قضائية أو ملاحقات أمنية، في دلالة صارخة على أن فاتورة حرية التعبير في العراق تُدفع بأثر رجعي(1).

بالموازاة، أُُسِسَتْ (هيئة الإعلام والاتصالات) لتكون مؤسسة تنظيمية مستقلة تحمي حرية التعبير وتضمن التعددية الإعلامية. غير أن الممارسة الفعلية كشفت عن تحوّل خطير في دورها؛ إذ باتت في حالات عديدة عائقاً أمام النقد وكاشف الفساد، وذلك عبر قرارات إيقاف برامج وحظر إعلاميين ومثقفين تربطهم القاسم المشترك ذاته: انتقاد السلطة والجهر بالفساد. الأخطر في هذه القرارات أنها تستند إلى معايير فضفاضة وذاتية كـ"الإساءة إلى الذوق العام" و"الإضرار بالروح الوطنية"، وهي تعابير مطاطة بامتياز، لا تعكس ضوابط قانونية دقيقة بقدر ما تعكس مزاج المسؤول وتوجّهاته السياسية. ومن يتابع سجل هذه القرارات يجد أن الخيط الرابط بينها ليس الإخلال بمعايير مهنية، بل رفع الصوت بوجه السلطة وفضح فسادها.

ربما يكون أشد ما يثير الدهشة والقلق في آن واحد، هو العودة إلى توظيف تشريعات من حقبة النظام البعثي في ملاحقة أصحاب الرأي والصحفيين والناشطين. هذه القوانين التي وُضعت أصلاً لقمع المعارضة والإسكات القسري، وُجدت لتموت مع نظامها، لكنها وجدت حياةً ثانية في زمن الديمقراطية المزعومة. بيان مبادرة "عراقيون" الصادر في ديسمبر 2025 يشير صراحة إلى أن السلطات بعد 2003، وخاصة في السنوات الأخيرة، لجأت إلى استدعاء "نصوص قانونية من حقبة النظام البعثي، وُضِعَتْ أساساً لقمع الحريات"، وهو ما يمثل انتهاكاً للمادة الثانية من الدستور العراقي التي تحظر صراحةً سن أي قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية. والمفارقة التاريخية هنا مؤلمة، فالذين قدّموا أنفسهم ضحايا لقمع صدام وسجونه، يستعيدون اليوم أدواته القانونية لتكميم من يعارضهم.

أيضاً، ظاهرة "دعاوى الرأي" باتت أداة رئيسية في ترسانة قمع التعبير. إذ بات مقرّبون من السلطة أو مخبرون سريّون يقيمون دعاوى قضائية ضد الناشطين والإعلاميين والمعارضين، مستخدمين صياغات من قبيل "انتهاك المعايير" و"إهانة الرموز" و"بثّ الفرقة"، وهي تعابير تصلح للانطباق على أي رأي ناقد بأي تأويل. الغاية من هذه الدعاوى ليست الوصول إلى حكم قضائي في أغلب الأحيان، بل الإرهاب والإنهاك والتحذير. فأن تجد نفسك متهماً في قضية جنائية، وإنْ كانت واهية، يعني أنك ستنفق من وقتك ومالك وطاقتك النفسية في الدفاع عن نفسك، بدلاً من مواصلة عملك النقدي. إنه قمع اقتصادي ونفسي يسبق أي حكم قضائي.

في السياق، رصدت "مبادرة عراقيون" تحوّلاً خطيراً في عمل بعض الأجهزة الأمنية، التي يفترض أن تكون أدوات لجمع المعلومات وتخضع للرقابة المدنية، لكنها باتت تمتلك "هياكل تحقيق منفصلة وسجوناً خاصة"، وهو انتهاك صريح للمادة التاسعة من الدستور التي تنص على أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية "لا تكون أداة لقمع الشعب العراقي". على هذا، فإن وجود سجون خارج الرقابة القضائية، وتفريغ أجهزة الاتصالات دون أمر قضائي، هو عودة إلى ممارسات الدولة البوليسية بثوب ديمقراطي.

السؤال الكبير هنا هو: كيف يمكن لمن يصرِّح بانتمائه الى قيم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) شعاراً ومنهجاً وديناً، وهو رمز العدالة والحرية في الوجدان الإسلامي بل الوجدان المسيحي والتاريخ الإنساني، أن يوظّف القانون أداةً للإسكات والقمع؟ الإمام أمير المؤمنين الذي قال "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً" (نهج البلاغة: الكتاب31)، والذي كان يستمع للرأي المخالف ويناظر علناً، ويقبل النقد من أشد خصومه، ويرسل إلى ولاته كتباً تحذّرهم من الظلم وتأمرهم بالعدل مع الناس جميعاً (2). بالتالي، هذه الطبقة السياسية التي تدّعي الولاء لقيم أمير المؤمنين وسيد العادلين وأزهد الحاكمين، تمارس نقيضها؛ فهي تسجن مَنْ يختلف معها، وتصادر مَنْ يكشف فسادها، وتلاحق مَنْ ينتقد أداءها. وهو تناقض لا يمكن تبريره بأي تأويل ديني أو سياسي، بل إنه يُعَدّ توظيفاً انتهازياً للدين في خدمة السلطة، وهو بالضبط ما أنذر منه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حين قال: "إذا استولى اللئام اضطهد الكرام، وإذا مَلَك الأراذل هلك الأفاضل" (غرر الحكم: 4033).

الدستور العراقي لعام 2005 كان طموحاً في نصوصه المتعلقة بالحريات، إذ المادة 38 تكفل "حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل"، والمادة 40 تحمي سرية الاتصالات، والمادة 42 تضمن "لكل فرد حرية الفكر والضمير والعقيدة"، والمادة 19 تجعل "حق الدفاع مقدساً ومكفولاً في جميع مراحل التحقيق والمحاكمة". هذه النصوص لم تُلغَ رسمياً، لكنها تُهجَر عملياً كل يوم. والهجران العملي أشدّ خطراً من الإلغاء الرسمي، لأنه يبقي الواجهة الديمقراطية قائمة بينما يُفرِّغها من مضمونها، فيضلّل المجتمع الدولي ويُخدَع به الرأي العام الداخلي. وهكذا، فإن دولة تستدعي قوانين الديكتاتور لتحاكم بها معارضيها، وتؤسس سجوناً خارج الرقابة القانونية، وتوجد هيئات إعلامية تعمل سياجاً حول السلطة بدلاً من ضمان التعددية، هي دولة تعيش ازدواجية خطيرة بين الحرف والروح، بين النص والممارسة.

في السياق، ثمة من يعتقد أن الحديث عن حرية الصحافة وحرية التعبير هو ترف فكري في بلد يرزح تحت أعباء الأمن والفقر والبنية التحتية المتهالكة، وهذا خطأ جوهري في التحليل. فإن حرية التعبير ليست ترفاً ديمقراطياً، بل هي الشرط الأول لمحاربة الفساد، إذ كيف يُحارَب الفساد إذا صودرت أدوات الكشف عنه؟! وكيف يُحاسَب المسؤولون إذا أُُسكِتَتْ الأصوات التي تتتبع إخفاقاتهم؟! وكيف يصلح الاقتصاد إذا كانت صحافة الاستقصاء والنقد تجد نفسها في قفص الاتهام؟! أكثر من مائة مليار دولار هي فقط إيرادات النفط العراقي السنوية تقريباً، وبلد يمتلك هذه الثروة يفترض أن تكون فيه بنية تحتية عالمية وخدمات متطورة ومستوى معيشي مرتفع. لذلك فإن ثروة البلاد تُنهَب والخدمات تُهمَل وملايين العراقيين يعانون الفقر، هو بالضبط ما يحدث حين تُصادَر الصحافة الناقدة وتُقمع أصوات السؤال والمحاسبة، فإن الفساد ينمو في الظلام، وحرية التعبير هي الضوء الذي يجعل الظلام يتراجع. وكما كتب الباحث في الشؤون السياسية والأمنية فاضل أبو رغيف، "الحرية هي المحرك الأساسي للإبداع والتطور وتحقيق الذات"، وحين تُغلَق أبواب الحرية، لا تُغلق في وجه الصحفيين وحدهم، بل في وجه المجتمع بأسره وإمكاناته الكاملة (3).

واليوم، تقف الحكومة العراقية الجديدة أمام تركة ثقيلة، حيث ألف انتهاك صحفي، وصحفيون أمام المحاكم، ومواقع محجوبة، وهيئات إعلامية مسيّسة، وأجهزة أمنية خارج الرقابة، وتقف أيضاً أمام ذاكرة تشرين التي لا تُمحى، وأرواح لم يُحاسَب على إزهاقها أحد!! لكن، ما الذي يجب أن تفعله هذه الحكومة إذا كانت جادة في الاختلاف عن سابقاتها؟!

أولاً: إسقاط الدعاوى القضائية المرفوعة من المؤسسات الحكومية ضد الصحفيين والناشطين، وهذا إجراء رمزي وعملي في آن واحد يُعيد الثقة بسرعة.

ثانياً: إعادة ترسيخ استقلالية هيئة الإعلام والاتصالات وتحريرها من تأثير السلطة التنفيذية والأحزاب، بحيث تعود إلى دورها الدستوري كحامية للتعددية الإعلامية لا سياجاً حول السلطة.

ثالثاً: إلغاء كل تشريع يتعارض مع روح الدستور ومبادئه المتعلقة بالحريات، وبخاصة تلك المستعارة من الحقبة البعثية، فإن بقاءها على الرف يعني أن يد القمع متاحة في أي وقت.

رابعاً: الفصل القانوني الصريح بين النقد السياسي والرأي المخالف من جهة، والتحريض على العنف والإرهاب من جهة أخرى. الأول حق دستوري مصون، والثاني جريمة جنائية، والخلط بينهما هو السلاح الأثير في يد قامعي الحرية.

خامساً: إخضاع الأجهزة الأمنية لرقابة مدنية وبرلمانية فعلية، وفقاً لما ينص عليه الدستور صراحة.

وهكذا، يرتكب كثيرون خطأ الاعتقاد بأن الديمقراطية هي الانتخابات. لكن، الانتخابات إجراء، والديمقراطية منظومة، وهذه المنظومة تقوم على ثلاثة أركان: انتخابات نزيهة، وقضاء مستقل، وحرية تعبير مصونة، وإن غياب أي ركن منها يجعل الاثنين الآخرين بلا معنى. العراق يمتلك الركن الأول ولو بصورة منقوصة، ويكافح من أجل الثاني، أما الثالث فهو ما تكشف الأرقام والشهادات والانتهاكات أنه في حالة حرجة. لذلك، فإن الدفاع عن حرية التعبير في العراق ليس دفاعاً عن صحفي بعينه أو برنامج بعينه، بل هو دفاع عن شرط وجود الديمقراطية ذاتها. وأن الطبقة السياسية التي تقمع مَنْ ينتقدها ستجد غداً أن ما بنته من أجهزة قمع وقوانين مطاطة ستستخدمها خصومها ضدها حين تتبدل الأحوال. وهكذا تدور دوامة الانتقام والاستبداد التي لا تنتهي إلا بتأسيس حقيقي لسيادة القانون وحرية التعبير.

إن التاريخ السياسي لا يرحم الأنظمة التي أسكتت شعوبها؛ فكلما ازداد الكبت ازداد الاحتقان؛ وكلما احتُقر الناس وأُسكِتَت أصواتهم، اتسعت الهوة بين السلطة والمجتمع، وتراكمت مظالم تبحث عن مَخرَج، والمَخْرَج الذي يتشكل في ظل الكبت والإسكات لا يكون في الغالب هادئاً ولا حضارياً. إذاً الرهان ليس فقط على حق الصحفيين وأصحاب الرأي، بل على مستقبل العراق كله. العراق، وكل بلد، يحتاج إلى صحافة حرة كما يحتاج إلى كهرباء وماء ومدارس ومستشفيات. ولعل أكثر ما يحتاجه الآن هو إعادة اكتشاف معنى جملة بسيطة كتبها أجداد الحضارة في هذه الأرض، قبل أن يعرف العالم كلمة ديمقراطية: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً" (نهج البلاغة: الكتاب31).

-------------------------------------

هوامش

(1) منذ احتجاجات تشرين 2019، التي وثّقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) خلالها عشرات حالات القتل والاختطاف والاعتداء على الصحفيين والناشطين، أصبح المشهد أكثر قتامة. وفي السنوات اللاحقة، صنّفت منظمة "مراسلون بلا حدود" العراق مراراً ضمن أخطر الدول على سلامة الصحفيين، مؤكدة استمرار سياسة الإفلات من العقاب. هذا الواقع يرافقه، بحسب تقارير "هيومن رايتس ووتش"، "استخدام متزايد للقوانين الفضفاضة لتجريم التعبير السلمي"، حيث تُستَخدَم مواد قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969، ولا سيما المواد (210–226)، لتجريم "إهانة السلطات" و"نشر الأخبار الكاذبة" و"التحريض"، وهي نصوص وُضعَت في عهد النظام الشمولي وتتناقض مع فلسفة النظام الديمقراطي. ورغم أن العراق صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1971، والذي ينص في المادة (19) منه على حماية حرية الرأي والتعبير، إلا أن التطبيق العملي يكشف فجوة عميقة بين الالتزام الدولي والممارسة الداخلية.

(2) في واحدة من أكثر الوصايا عمقاً وحسماً، يضع الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) معياراً فاصلاً بين التديّن الحقيقي والتديّن المزيّف، حين يقول: "ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا" (بحار الأنوار: ج65 – ص164). كلمات جعفرية تزهر بموعظة أخلاقية بالغة الأهمية، وإنها واضحة قاطعة، كما أنها تعريف حاسم لمعنى التدين؛ فإن الدين لا يقاس بالشعارات، ولا بالهويات الموروثة، ولا بكثرة العبادات والشعائر، وإنما التدين يقاس بالسلوك العملي الطيب والأثر الأخلاقي الكريم في حياة الناس .. أي الأسرة، والأقارب، والجيران، والأصدقاء، والزملاء، والمجتمع، والبشرية.

(3) يقول المرجع الديني المجدد، السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "الله سبحانه خلق الناس متعددين - شعوباً وقبائل وأيضاً ميولاً وتوجهات وأفكاراً - ليتعارفوا فيما بينهم، وهو ما يدل على وجود التعددية، وأن لا مهرب من الإقرار بها والتعامل وفقاً لها، وأهمية هذه التعددية القائمة على التعايش، ودورها الإيجابي الفعّال في تقدم الأفكار والحياة، فقال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(الحجرات/13). تشكّل التعددية حصانة من النزوع الى الظلم والانزلاق الى الاستبداد، لما تجسده من إقرار بتنوع أفراد المجتمع وتنوع قناعاتهم وخياراتهم. بالتالي، فإن التعددية تؤكد حق حرية التعبير عن المصالح والمعتقدات والمطالب، التي هي سمة أساسية من سمات الأنظمة الحرة والأخلاقية. نتيجة لذلك، فإن التعددية؛ المتضمنة لحق حرية الرأي والتعبير، ضمانة لبقاء النظام السياسي على جادة العدالة والحرية؛ وصولاً الى استقرار البلاد ورفاه الشعب.

في السياق، يحدثنا التاريخ أن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لم يمنع التظاهرات والاضرابات، حيث أنه اتفق في زمانه أن أغلق أهل الكوفة الدكاكين، حيث حكم بحكم لم يرضوا به. وفي مرة أخرى، حيث عزل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قاضياً لم يرضَ بعض أهل الكوفة بعزله، فخرجوا في تظاهرة، والإمام لم يتعرّض لهم بسوء، وإنما تركهم وشأنهم بعد أن قدَّم لهم النصيحة. أيضاً، كان الحريث بن راشد الشامي عدواً للإمام أمير المؤمنين، فجاءه قائلاً له: "والله لا أطعتُ أمرك، ولا صليتُ خلفك!" فلم يغضب الإمام لذلك، ولم يبطش به، ولم يأمر به بالسجن أو العقوبة، وإنما دعاه إلى أن يناظره حتى يظهر أيهما على الحق، ويبين له وجه الحق لعله يتوب. فقال له الحريث: "أعود إليك غداً، فقبل منه الإمام، فانصرف الرجل إلى قومه ولم يعد!" وهكذا، يتأكد حق الإنسان (المواطن) في حرية الرأي والتعبير، وأيضاً حقه في أن يعارض الدولة (السلطة) بالتظاهر والإضراب والاعتصام وما أشبه، وفي المقابل على السلطة أن تقابل المعارضين والمحتجين باحترام ولين ولطف.

-------------------------------------

مقالات ذات صلة

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُسْتَلَبون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منهوبون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. بائسون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُهْمَلون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. غرباءٌ في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقهورون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مخذولون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منسيون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. طرق الموت