إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُسْتَلَبون في وطنهم


 

 

موقع الإمام الشيرازي

8 / ذو الحجّة / 1447

 

 

وطن مخطوف وشعب منهوب

 

لم يعد مفهوم "الاستلاب" مجرد مصطلح فلسفي جاف، بل غدا في واقعنا المعاصر دلالة حية على آلية سحق الشعوب وتجريدها من كينونتها داخل حدودها، وهو عملية نزع قسرية تتداخل فيها الأبعاد المادية والمعنوية لتصنع مغتربين في أوطانهم. ويبدأ هذا الاستلاب حركته بالتجريد الحقوقي والمادي للمواطن، حيث تُنهَب مقدرات بلاده وخيرات أرضه علانية ليتحول من شريك في الثروة إلى مجرد محروم يعجز عن نيل أبسط مقومات العيش الكريم، ليتوازى ذلك مع استلاب فكري وثقافي أشد خطورة، يُغرِق الإنسان في التبعية والاغتراب عبر فرض أيديولوجيات وشعارات مشوَّهة تعزله عن هوية وطنه الحقيقية وتخدر وعيه. وتكتمل هذه الحلقة الخانقة بـ الاستلاب السياسي والإداري الذي يصادر حرية الشعب وقدرته على تقرير مصيره وصناعة قراره، ليعيش المواطنون بلا سيادة فعلية ولا إرادة حرة في وطن عُبِثَ بمؤسساته وصُودر فيه الحق في التغيير، وحين تجتمع هذه الأبعاد الثلاثة، يكتمل وصف المشهد العراقي بكل مراراته وخيباته؛ حيث لا يجد المواطن نفسه مجرد ضحية لفشل عابر، بل مستَلَباً بالكامل في موطنه وهو يرقب إرث العشرين عاماً من الخراب.

ومن خضم هذا الاستلاب المزمن والواقع المأزوم، تتجه الأنظار اليوم نحو الحكومة العراقية الجديدة، وسط ترقب شعبي يراوح بين بصيص أمل ضئيل وخيبات أمل متراكمة ورثها العراقيون على مدار عقدين من الزمن. عقدان من الفشل الممنهج، والعبث بمقدرات الدولة، والفساد المتخم الذي حوّل بلداً يسبح على بحار من الثروات إلى ساحة أزمات طاحنة، يعجز فيها حتى عن تأمين رواتب موظفيه بانتظام أو تقديم أدنى الخدمات الأساسية. في هذا المشهد القاتم، لا يجد العراقي نفسه مجرد مواطن يعاني، بل يجد نفسه "مستَلَباً" في وطنه؛ جُرِّدَ من إرادته، وسُلِبت منه خيرات أرضه علانية وبقوة السلاح والنفوذ المليشياوي والحزبي.

وفي إطار هذا العبث، طالما ساد في الخطاب السياسي والاقتصادي السائد رأي مكرر يدّعي أن العراق بلد ريعي يعتمد كلياً على تصدير النفط الخام للخارج، وأن أي انخفاض في أسعار النفط العالمية يهدد وجود الدولة وقوت مواطنيها. لكن الحقيقة التي يكشفها خبراء الاقتصاد، والتقارير النيابية المدعومة بالأرقام مؤخراً، تُبطِل هذه الذريعة وتكشف عن هدر مالي لا نظير له على مستوى العالم؛ فإن العراق لا يعيش على نفطه المصدر فحسب، بل يمتلك عشرات الأبواب المالية الداخلية السائبة التي لا تجد طريقاً شفافاً إلى خزينة الدولة. وإذا ما فككنا شفرة الإيرادات الداخلية الموازية، سنجد أرقاماً تثير الذهول وتبين حجم الأموال المتداولة خارج الحسابات الرسمية أو التي تبتلعها ثقوب الفساد السوداء. فإنه على صعيد الطاقة وحده، تُقدر إيرادات بيع النفط ومشتقاته داخل العراق (بنزين، وكاز، وغاز، وزيت الوقود) بنحو 40 تريليون دينار سنوياً. أما على مستوى الخدمات البلدية، فإن واردات أمانة بغداد وحدها من الرسوم والخدمات والإيجارات والتنظيم البلدي تُقدر بحوالي 9 تريليونات دينار سنوياً.

ولا يتوقف نزيف الثروات المنهوبة عند هذا الحد؛ إذ يدرّ الممر الجوي العراقي من رسوم عبور الطائرات والملاحة الجوية ما لا يقل عن 2 تريليون دينار سنوياً، تُضاف إليها إيرادات مديرية المرور العامة التي تتجاوز نصف تريليون دينار من الغرامات ورسوم التسجيل والإجازات. هذا كله دون احتساب المليارات الضائعة في طوابير الجوازات، والأحوال المدنية، والبطاقة الوطنية، فضلاً عن الواردات الفلكية للكمارك والمنافذ الحدودية(1)، والضرائب المباشرة وغير المباشرة، وعائدات المطارات والموانئ، وإيجارات عقارات الدولة الشاسعة(2). بل إن القطاعات الخدمية كالتعليم العالي والتربية تجني أموالاً طائلة من بوابات الجامعات والمدارس الأهلية والإجازات، إلى جانب رسوم التسجيل العقاري، وأرباح شركات الاتصالات والإنترنت، ورسوم الخدمات في المستشفيات الحكومية والأهلية.

حين نجمع هذه الإيرادات غير النفطية، نجد أنها تتجاوز حاجز الـ 100 تريليون دينار عراقي سنوياً. هذا الرقم الضخم بمفرده يكفي لتغطية الجانب الأكبر من الموازنة التشغيلية واحتياجات الدولة لو أُدير بشفافية حقيقية. إن هذه الأرقام تسقط قناع "العراق الفقير"، وتؤكد أن الأزمة لم تكن يوماً أزمة شحّ مالي، بل أزمة إدارة نخرها الفساد، وتخطيط غائب تعمّد ترك هذه الموارد نهباً لشبكات المصالح الحزبية والمحاصصة المقيتة.

لا تتوقف حدود المأساة العراقية عند لغة الأرقام المنهوبة وحسب، بل تتجاوزها إلى استلاب فكري ومعرفي أشد مرارة وعمقاً، يمارسه "إعلام ديني" – من ضمنه إعلام حزبي ديني - يضم عشرات القنوات الفضائية، والإذاعات، والمواقع الإخبارية الممولة (جزئياً أو كلياً) من قوت الشعب المستلَب والمنكوب. هذا الإعلام الذي يبث ليل نهار خطابات عن قيم الإسلام الحقيقية كالعدل، والأمانة، والمسؤولية، والرحمة، ويتخذ من سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مادة رئيسية - للاستهلاك الإعلامي -، مستحضراً نهجه الصارم في رفض الظلم، وزهده المطلق بالمال العام، وانتصاره الثابت والمطلق للمظلومين والفقراء. المؤسف، هذا الإعلام الديني خلال العشرين سنة، يتماهى مع الطبقة السياسية الفاسدة والفاشلة فيجمِّل صورتها ويتجنب نقد فشلها ويتغافل عن أخطائها بل وجرائمها. وهنا تبرز مفارقة فادحة؛ فإن الطبقة السياسية التي تحكم العراق وتحتكر مقدراته منذ عشرين عاماً تتبنى خطاباً دينياً، كالذي يتبناه الإعلام الديني، وتدّعي السير على نهج الحاكم العادل والزاهد العظيم، الإمام أمير المؤمنين، بينما تمارس في سلوكها اليومي نقيض هذا النهج تماماً. بالتالي، فإن هذه الطبقة السياسية أفرغت الدين من مضمونه الإنساني والأخلاقي، وحولته إلى أداة تبرير أو تخدير سياسي لشرعنة منظومة المحاصصة والنهب، وتمرير مشاريعها التي تصب في مصالحها الخاصة بعيداً عن حقوق الشعب العراقي ومصالحه.

والأدهى من ذلك كله، أن تلك المنصات الإعلامية الدينية (القنوات الفضائية والإذاعات والمواقع الإخبارية) يتم تمويلها من ثروات وموارد المواطن العراقي المحروم من الدواء والكهرباء والخدمات الأساسية. إنه استلاب مركب: يُسرَق مال العراقي ليُصنَع منه سياج إعلامي يبرر سرقته، ويُحرَم من حقه باسم الرموز التي عاشت وماتت من أجل انتزاع هذا الحق!

إن الاستثمار الصحيح لهذه الإيرادات الداخلية كفيل بتمويل مفاصل الدولة اليومية، مما يتيح تخصيص عائدات تصدير النفط الخارجي بالكامل لإنشاء ورشة إعمار كبرى تقود مشاريع البنى التحتية، والصناعة، والزراعة، والإسكان، وتعيد للعراق وجهه الحضاري.

وهكذا، تواجه الحكومة العراقية الجديدة اليوم اختباراً تاريخياً ومصيرياً؛ فالشعب العراقي لم يعد يملك رفاهية الصبر على التبريرات الواهية والوعود المؤجلة. فالعراق لا تنقصه الأموال، بل يحتاج إلى إدارة أمينة وحازمة تؤمن بأن ثروة الوطن ومستقبل أجياله أكبر من مجرد برميل نفط يباع في الخارج وتُنهَب قيمته في الداخل. فهل ستنجح الحكومة الجديدة في تفكيك إرث العشرين عاماً من الخراب وإعادة المقدرات لأصحابها الشرعيين، أم سيبقى العراقيون مستَلبَين في وطنهم؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام القادمة، وبه تتحدد هبة العراق أو استمرار ضياعه.

---------------------------

هوامش

(1المنافذ الحدودية والقطاعات السيادية .. لا تشكل المنافذ الحدودية والقطاعات السيادية في العراق مجرد نقاط جغرافية للعبور، بل هي شريان مالي فلكي يُفترض أن يغذي ميزانية الدولة. لكن التدقيق في تفاصيل هذه الملفات يكشف عن عمق المأساة وحجم الهدر الممنهج: 

(المطارات وسقوط التقييم الدولي): تغرق المطارات العراقية في ملفات فساد شائكة ومعقدة تسببت في استمرار وضع العراق خارج التقييم الدولي للسنة الحادية عشرة على التوالي (ممتداً حتى عام 2026)، وحظر طائرات "الطائر الأخضر" وشركات الطيران المحلية من التحليق في الأجواء الأوروبية لعدم استيفاء معايير السلامة. يتزامن ذلك مع هدر ملايين الدولارات على عقود صيانة وهمية أو مجحفة لأسطول الطائرات، وتحول مطارات حيوية ومربحة للغاية كـ مطار النجف الدولي إلى بؤرة صراع دائم بين مكاتب الأحزاب الاقتصادية؛ حيث تشير التقديرات الرسمية والنيابية إلى أن إيرادات مطار النجف وحده تتجاوز 70 مليون دولار سنوياً، يذهب جلّها لتمويل نفوذ جهات متنفذة خارج حسابات وزارة المالية الختامية.

(الموانئ.. تقاسم الأرصفة): في موانئ البصرة (مثل أم قصر والمنافذ المجاورة)، تخلت الدولة عن سلطتها الفعلية لصالح "جمهوريات الأحزاب" والمجاميع المسلحة، حيث جرى تقسيم الأرصفة البحرية علناً كغنائم نفوذ مالي. وتكشف شهادات وتقارير لمسؤولين وخبراء اقتصاد أن 75% من الأموال المتأتية من الرسوم الجمركية وعوائد الموانئ تذهب مباشرة إلى خزائن الفصائل والأحزاب، بينما لا يصل للدولة سوى 25% فقط. هذا النفوذ حوّل الموانئ إلى بوابات مفتوحة للتهريب الممنهج، وتمرير السلع التالفة، وتجارة المخدرات، فضلاً عن حرمان الدولة من تريليونات الدنانير من بوابات جمركية يفترض أن تكون الرافد الثاني للموازنة بعد النفط.

(قطاع الاتصالات .. إيرادات تثير الريبة): يُعَد قطاع الاتصالات والإنترنت في العالم أجمع "الدجاجة التي تبيض ذهباً" للحكومات. أما في العراق، فإن الإيرادات الرسمية التي توردها الشركات الاحتكارية إلى خزينة الدولة ضئيلة لدرجة تثير الريبة والشكوك الاقتصادية. هذا الشح يعزى لعقود تراخيص مجحفة مشوبة بصفقات فساد كبرى ورشاوى دولية بمليارات الدولارات طالت حتى رؤساء سابقين لهيئة الإعلام والاتصالات. وبدلاً من تأسيس "شركة وطنية حكومية" تضمن عوائد سيادية كاملة للموازنة، تُرِك هذا القطاع لشركات محمية سياسياً تفرض على المواطن رداءة الخدمة وغلاء الأسعار، وتتأخر في تسديد ديونها المتراكمة للدولة والتي تُقدر بمئات ملايين الدولارات دون ملاحقة حقيقية.

(2عقارات الدولة .. أكشفت لجان برلمانية وهيئات رقابية (مثل هيئة النزاهة العراقية ولجنة الحفاظ على أملاك الدولة) عن رصد أرقام صادمة تتراوح بين 9,000  عقار رئيسي متجاوز عليه، ووصولاً إلى تقديرات أوسع تشمل ما يقارب 173,000  عقار تابع للدولة جرى الاستيلاء عليها من قبل جهات متنفذة (دون احتساب عقارات المنطقة الخضراء). في السياق، تُقدّر القيمة الإجمالية لهذه الأملاك بمليارات الدولارات (قدّرها خبراء اقتصاديون بنحو 150 مليار دولار في فترات سابقة). وتسببت التجاوزات بخسائر مباشرة فاقت 30 مليار دولار) نتيجة البيع أو التأجير بأسعار زهيدة. هذا، وقد استولت الفصائل والأحزاب فوراً بعد عام 2003 على القصور الرئاسية، ومقرات "حزب البعث" المنحل، ومنازل مسؤولي النظام السابق. هذا وقد امتدت السيطرة غير القانونية وغير الشرعية لتشمل عقارات وأراضي تعود لعراقيين مغتربين (لا سيما المسيحيين)، إضافة إلى أراضٍ زراعية مميزة ومساحات شاسعة داخل المدن الرئيسية مثل بغداد والبصرة.

وتشير تقارير برلمانية إلى قيام بعض الأحزاب بتأجير مساحات شاسعة تبلغ آلاف الأمتار المربعة من الدولة بمبالغ رمزية جداً (مثل 400 ألف دينار عراقي سنوياً) ولمدد طويلة تصل إلى 25 عاماً. وجرى بيع عقارات قيمتها السوقية الحقيقية تتجاوز 50 مليار دينار بمبالغ تقل عن 5 مليارات دينار، أو عقارات بقيمة 8 مليارات دينار بيعت بـ 100 ألف دينار فقط عبر التلاعب بالأوراق الثبوتية داخل دوائر التسجيل العقاري. وعلى الرغم من صدور قرارات من المحكمة الاتحادية العليا لإلغاء النصوص القانونية التي استغلتها الأحزاب، وتشكيل لجان متعاقبة لمكافحة الفساد، إلا أن استرداد هذه الأملاك يواجه عوائق كبيرة، حيث تمتنع الأحزاب والجماعات المسلحة عن إخلاء العقارات مستخدمة قوتها على الأرض لعرقلة تنفيذ القوانين.