![]() |
|
إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. بائسون في وطنهم
موقع الإمام الشيرازي 1 / ذو الحجّة/ 1447
مفارقة بلاد الرافدين .. ثراء الأرض وفاقة الإنسان معالجة البطالة هي أحد الاختبارات الحقيقية لشرعية الحكومة الجديدة
في ظل تشكّل الحكومة العراقية الجديدة، وتطلعات العراقيين لكسر دائرة الفشل والفساد المتكررة، منذ 2003 الى اليوم، يبرز ملف البطالة كأحد أخطر التحديات الاقتصادية والاجتماعية. إنه ليس مجرد رقم إحصائي، بل مشكلة متعددة الأبعاد تدمر الاستقرار النفسي، وتفكك الترابط الأسري، وتهدد الاستقرار المجتمعي، وتهدر طاقات الشباب، وتُفاقِم الفقر، وتُضعِف اللحمة الوطنية في بلد يملك ثروات هائلة وموقعاً استراتيجياً وتاريخاً حضارياً عريقاً. منذ عقود والعراق يقف على أرض من ذهب أسود، يفيض نهراه بخيرات لم تنقطع، لكن المفارقة الصارخة تكمن في أن "بلاد الرافدين" باتت اليوم تُذكَر في التقارير الدولية لا كقوة اقتصادية صاعدة، بل كواحدة من أعلى الدول العربية في معدلات البطالة. ومع تشكيل حكومة جديدة، تتجه أنظار العراقيين إلى واقع مرير وسؤال موجع: كيف لبلد يرفع ساسته شعارات عدالة وزهد ونبل ورحمة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يُترَك شبابه فريسة للفقر والتهميش؟! أرقام الصدمة تشير الإحصاءات الأخيرة إلى أن سوق العمل العراقي لا يزال يعاني من "تصلب هيكلي". فبينما تتحدث بعض التقارير الحكومية المتفائلة في مايو 2026 عن تراجع المعدل العام إلى 13%، تكشف بيانات شركة (Statista) الألمانية وموقع (Trading Economics) عن وجه أكثر قتامة لعام 2025؛ حيث استقر معدل البطالة عند 15.5%، واضعاً العراق في المرتبة السابعة عربياً ضمن قائمة أعلى عشر دول في معدلات البطالة. هذا يعني عملياً وجود ما بين 1.56 و 1.86 مليون عراقي عاطل عن العمل – أي أكثر من سكان محافظة كاملة – ينتظرون فرصة عمل تليق بكرامتهم في بلد يسبح في ثرواته. بالتالي، فإن هذه الأرقام تعبير عن ملايين الأسر التي تعيش تحت وطأة الحاجة!! خاصة في محافظات مثل المثنى (فقر بنسبة 43.6%) وبابل والديوانية، مما يعكس هوة سحيقة بين ثروات البلد والواقع المعيشي لمواطنيه. إن الأزمة في العراق ليست أزمة "ندرة موارد"، بل هي أزمة "إدارة ومبدأ". السياسيون الذين يرفعون شعارات الولاء للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) - رمز العدالة الذي كان يرى في الفقر "الموت الأكبر" - يواجهون اليوم اتهاماً تاريخياً؛ إذ كيف يستقيم استذكار قيم العدالة العَلَوية مع تفشي "الفساد الإداري" الذي جعل الوظيفة العامة والفرص الاستثمارية حكراً على الولاءات الحزبية والصفقات المشبوهة؟! وهكذا، فإن الفساد في العراق لم يعد مجرد سرقة للمال العام، بل هو استهانة بحقوق الشعب، واستهتار بأموال الدولة، وعبث بسمعة البلد، وتدمير لمستقبل أجيال كاملة، وتشويه للقيم. فإن غياب الأمانة في توزيع الثروات أدى إلى تبديد مئات المليارات من الدولارات في موازنات انفجارية لم تترك أثراً على مستوى التشغيل أو البنى التحتية. جذور الأزمة تتعدد أسباب هذه الكارثة الاقتصادية، البطالة، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية: (1) رهينة النفط؛ إذ لا يزال الاقتصاد العراقي "أسير البرميل"، فغياب التنويع يجعل سوق العمل عرضة لأي هزة في الأسعار العالمية، مما يحول الدولة إلى مجرد "شركة توزيع رواتب" فاشلة في خلق قيمة مضافة. بكلمة أخرى، غياب التنويع يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات، ويحول الدولة إلى "دولة ريعية" تعتمد على توزيع الريع بدلاً من إنتاج الثروة. (2) اغتيال القطاع الخاص؛ فإنه بدلاً من دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، أدى البيروقراطية والفساد إلى شل حركته، مما جعل الدولة المشغل الوحيد والمنهك في آن واحد. أي إن الدولة تُشغِل القطاع العام بشكل متضخم (بطالة مقنعة)، لكنها غير قادرة على استيعاب ملايين الشباب الجدد سنوياً. بالموازاة، فإن القطاع الخاص محدود الدور بسبب الفساد، وسوء الإدارة، وضعف البنية التحتية، وعدم الاستقرار الأمني والسياسي. (3) الفساد الإداري والسياسي الذي تبرز تداعياته عبر هدر الموارد، والمشاريع المتوقفة، والمحسوبية، والولاءات الحزبية تحول دون توزيع عادل للفرص. في الوقت أن الفساد يقوض الثقة ويبعد المستثمرين، ويُحوِّل ثروة البلاد إلى جيوب خاصة بدلاً من مشاريع تنموية. (4) الفجوة التعليمية؛ حيث تُخَرِّج الجامعات سنوياً آلاف الشباب بتخصصات لا يحتاجها سوق العمل، في ظل غياب رؤية استراتيجية لربط التعليم بالتنمية. (5) النمو السكاني والتحديات الديموغرافية؛ فسكان العراق شبابيون، والطلب على الوظائف يفوق العرض بكثير. دعوة للحكومة الجديدة لكي لا تكون الحكومة الجديدة كـ "الحكومات السابقة"، يجب أن تتبنى إصلاحات جذرية .. وأهمها: (1) تنويع اقتصادي حقيقي من خلال استثمار في الزراعة (بلاد الرافدين)، والصناعة، والسياحة، والتقنية، والطاقة المتجددة، فإن مشاريع كـ"طريق التنمية" يمكن أن تكون بداية إذا أُديرت بشفافية. (2) دعم القطاع الخاص عبر تبسيط الإجراءات، ومكافحة الفساد، وحماية الاستثمار، وتسهيل التمويل. (3) إصلاح التعليم، وذلك بربط المناهج بسوق العمل، وتوسيع التعليم المهني والتقني. (4) شفافية ومحاربة الفساد، من خلال رقابة صارمة، وإصلاح إداري، وتقليص الاعتماد على التوظيف الحكومي المُضخم. (5) برامج شبابية تتمثل بدعم المشاريع الصغيرة، وريادة الأعمال، وبرامج تدريب وتوظيف مستهدفة. وهنا، لابد من تأكيد أن القطاع الخاص في العراق ليس ضعيفاً بسبب نقص الإمكانيات، بل بسبب سياسات ريعية وإدارية فاشلة استمرت عقوداً. بالتالي، فإن الحكومة الجديدة أمام فرصة تاريخية؛ فإما أن تُفعّل القطاع الخاص ليصبح شريكاً حقيقياً في خلق عشرات الآلاف من الوظائف وتحقيق التنمية المستدامة، أو تبقي الاقتصاد رهينة النفط والتوظيف الحكومي، مما يعمق البطالة والإحباط الاجتماعي. مع ذلك، النجاح يتطلب إرادة سياسية صادقة تتجاوز الشعارات إلى الإصلاحات الجذرية، فإن العراق يملك الثروات والشباب؛ والوقت حان ليملك اقتصاداً منتجاً، كسائر الدول التي تحترم شعوبها. في السياق، فإن البطالة تغذي الإحباط، والهجرة غير الشرعية (هجرة الأدمغة)، وتدفع الى الجريمة والتطرف. في الوقت أن الشاب العاطل يشعر بأنه يفقد الكرامة والأمل، ويصبح عرضة للاستغلال السياسي أو الطائفي. بالتالي، فإنه في بلد يرفع شعارات دولة الإنسان التي شيدها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يتحول الواقع إلى تناقض صادم، حيث بلد يملك ثروات هائلة، وشعب يعاني الفقر والبطالة والحرمان. وهكذا، العراقيون اليوم لا ينتظرون خطابات سياسية أو شعارات دينية أو وعوداً حزبية، بل ينتظر العراقيون "حكومة أفعال" تطهر مؤسسات الدولة من الفاشلين والفاسدين، وتعيد للعراق مكانته الدولية وللمواطن كرامته في بلده. وهكذا؛ فإن الوفاء لمبادئ العدالة والرحمة يبدأ من توفير لقمة العيش الكريمة، وإن أية محاولة لإعادة إنتاج سياسات المحاصصة والعبث بالثروات تحت غطاء الوعود الجديدة، لن تكون إلا إمعاناً في استنكار واستهجان شعب بائس من طبقة سياسية أُتخمت بالفساد وأمعنت بالفشل. ------------------------------------------
(*) كتب د. ماجد شنكالي (نائب سابق)، على منصة (إكس) 17/5/2026: "كل ما يقال عن تضمين تحويل العقود الى الملاك الدائم أو تحويل عقود الرعاية الاجتماعية الى الوزارات أو إعادة المفسوخة عقودهم في الأجهزة الأمنية في موازنة عام 2026 ومن اي جهة كانت هو ليس سوى إعلام ديماغوجي بعيد عن المنطق لأن الواقع الاقتصادي والمالي لا يمكنه قبول أي زيادة في نفقات الرواتب وأجور القطاع العام مطلقاً، علماً أن الحكومة غير قادرة على تعيين خريجي الكليات والمعاهد الطبية والصحية 2023 - 2024 - 2025 وسيضاف لهم خريجي هذه السنة 2026 أيضاً. بالتالي، على الحكومة الجديدة خلق فرص عمل في القطاع الخاص وليس العام". هذا التصريح يكشف عن الشعارات الزائفة للطبقة السياسية التي تحاول امتصاص غضب الشارع عبر إطلاق وعود وظيفية وهمية، والانسداد المالي في قطاع "التعيين المركزي". الأخطر أن هذا التصريح يؤكد التحذيرات السابقة من خطورة تضخم موازنة الرواتب (النفقات التشغيلية) التي تلتهم ثروات البلاد، مما يجعل الموازنة رهينة تقلبات أسعار النفط، ويحرم الدولة من أي قدرة على تمويل موازنات استثمارية تخلق تنمية حقيقية. مقالات ذات صلة * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُهْمَلون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. غرباءٌ في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقهورون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مخذولون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منسيون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. طرق الموت |