العدالة ورضا الناس وسيادة القانون


 

 

د. توفيق السيف

موقع الإمام الشيرازي

20 / شوال / 1447

 

 

 

يحب الناس تكرار المقولة المأثورة «رضا الناس غاية لا تُدرَك». وقد كان أحد أساتذتي يستشهد بهذا القول، حين يحدثنا عن مداراة الناس، ويضيف إليه «والسعي فيه فضل لا يُترَك». ولا ينسى التذكير بأن هذه إضافة من عنده، كيلا نسهو فنخلطها مع المأثور. وقد ذهب الأستاذ إلى ربه. وبعد زمن وجدت أن نيل «رضا الناس» ليس من المستحيلات، إذا اتضح المراد بالرضا، ولم يخلط بغيره. وتوجد في أيامنا هذه وسائل عديدة لقياس رضا الناس، وأشهرها فيما أظن «تقرير السعادة العالمي» الذي تشاركت في إعداده ثلاث هيئات هي «مركز أبحاث جودة الحياة» بجامعة أكسفورد، و«مؤسسة غالوب لأبحاث الرأي العام»، بالإضافة الى «شبكة حلول التنمية المستدامة(SDSN) » التابعة للأمم المتحدة.

يركز هذا التقرير على العوامل التي تجعل الناس راضين عن حياتهم، متفائلين بالمستقبل أو متشائمين. ومن بينها عوامل تتعلق بالمعيشة والسلام الاجتماعي، والحريات العامة وشيوع العدالة وسيادة القانون. هناك أيضاً تقارير دولية عن رضا المستهلكين وتفاؤلهم، وأخرى عن توقعات مديري المشتريات، التي تشير إلى تفاؤل بأن الناس ستُنفِق أكثر أو أقل، أي هل هم متفائلون بالمستقبل القريب أم متشائمون؟ وهو واحد من معاني الرضا. ويظهر أن العديد من المجتمعات يشعر أعضاؤها بقدر من الرضا عن حياتهم، يزيد أحياناً وينقص أحياناً أخرى.

زبدة القول إن رضا الناس غاية ممكنة. لكن بلوغها يحتاج إلى إخراج الرضا من الكلام العام الذي يميل للغموض، إلى التفصيل الذي يمكن -بناء عليه- وضع مؤشرات عن موضوعات الرضا وحدوده.

لكن، لماذا نهتم برضا الناس؟

الجواب: إن رضا جمهور الناس عن وضعهم الحياتي هو العلامة الأبرز على ما نسميه في علم السياسة «الشرعية السياسية». هذا الرضا تعبير عن ارتياح الجمهور لسياسات الدولة؛ إما لأنها وفرت لهم أسباب المعيشة، وإما لأنها وفرت الفرص الكافية للتنافس العادل، وإما لأنها بذلت -في هذا السبيل- جهداً يستحق التقدير. وأحسب أن الإشارة الأولى إلى هذا المعنى في التراث العربي، وردت في وصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لواليه على مصر «إن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة... إنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم» (نهج البلاغة).

بطبيعة الحال لا نتوقع أن تكون الأوضاع مؤاتية دائماً. كل بلد سيواجه يوماً ما أزمة في السياسة أو الأمن أو تدبير الوظائف أو التضخم أو الركود الاقتصادي أو غيرها. ولا بد أن كثيراً من الناس لن يرضوا، ولا بد أن كثيراً منهم سيحمّل الحكومة مسؤولية الأزمة، فكيف نصف الوضع يومئذ؟

الجواب: إنه من غير الواقعي أن نتوقع الرضا الدائم، خصوصاً إذا أضفنا إليه الجانب العاطفي، حيث يتأثر البشر -بطبعهم- بعوامل مختلفة، عقلانية وغير عقلانية، فيرضون ويغضبون، لمبررات يتفقون عليها مع غيرهم، أو قد ينفردون بها من دونهم. حينئذ فلا بد أن نضع «الرضا» في محله، فلا نجعله شرطاً وحيداً للشرعية السياسية أو سلامة النظام الاجتماعي.

والذي أميل إليه أن النظام الاجتماعي -إذا كان يقيم العدالة، بالمعنى الذي شرحته في مقال سابق- مشروع حتى في حالة عدم الرضا(*). وأشير خصوصاً إلى مبدأ سيادة القانون التي اعتبرتها أبرز تجسيدات العدالة، ولا سيما العدالة التوزيعية والقضائية. في اعتقادي أن العدالة هي الأساس، والرضا يأتي زيادة عليها، والعطف والتراحم يأتيان فوقهما. فإذا استطعنا إقامة نظام اجتماعي يسود فيه التعاطف والتراحم بين الدولة والمجتمع فقد بلغنا غاية المطلوب، وإن لم نستطع اكتفينا بالتراضي، وإن لم نستطع فلا ينبغي أن نفرّط في مبدأ العدل، وأبرز تجسيداته سيادة القانون، كما أسلفت.

------------------------------------

(*) رأى جون رولز، الفيلسوف المعاصر، أن أبرز سمات المجتمع حسن التنظيم هو قيام مؤسساته على أرضية العدالة، والتزام جميع أعضاء المجتمع بمقتضياتها. وأميل إلى الاعتقاد أن هذا لا يكفي لجعل العدالة نظاماً حاكماً بالفعل، خصوصاً في المجتمعات الفقيرة الموارد، والمجتمعات التقليدية التي تُعلي من شأن النفوذ الشخصي على حساب القانون، ولذا أرى ضرورياً إضافة هذَين العنصرَين على وجه الخصوص، لجعل المجتمع حسن التنظيم فعلاً، أي: توفر مستوى معيشة معقول للأغلبية الساحقة من سكان البلاد، وسيادة القانون، وعلى الخصوص الضمان القانوني لحق المساواة وحرية التعبير. أما العنصر الأول، أي مستوى المعيشة المعقول، فهو لدرء احتمال شيوع الاستغلال من جانب أصحاب المال، على نحو يجعله أساساً للعلاقات الاجتماعية. وقد شهدنا في مجتمعات فقيرة عدة حالات تنازل فيها الفقراء عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. وإذا لم يكن في المجتمع موارد كافية، فإنه ينبغي -ولو مرحلياً- التركيز على السياسات التي تستهدف معالجة هذا المشكل، حتى لو تأخر التحول الكامل إلى مجتمع المشاركة.

أما العنصر الآخر، أي سيادة القانون، فهو ضروري لإعادة العجلة إلى مكانها، فيما لو اضطر المجتمع إلى خوض تجربة فاشلة، أو اضطر بعض المواطنين إلى التنازل عن حقوقهم المدنية من أجل لقمة العيش. سيادة القانون تحفظ المساواة وتمكّن الضعيف من استرجاع حقه أو استعادة مكانته المفقودة، بعد أن يمسي قادراً على النهوض أو ينهض فعلاً. وبهذا تكون علاقات الاستغلال ظرفاً مؤقتاً، لا حالة دائمة أو تقسيماً طبقياً لا يمكن اختراقه.

إن إنكار حق المجتمع في المشاركة بداعي الفقر أمر سيئ جداً، وهو من دواعي فشل المجتمع السياسي، لكن تأثير الفقر في انحراف النظام نحو الاستغلال، هو الآخر حقيقة لا ينبغي إغفالها. وأرى أن سيادة القانون هي الوسيلة الضرورية لضبط المعادلة بين هذا البعد وذاك.

---------------------------------------

* (كاتب وباحث سعودي)