الحرب ثمرة تكوين إنساني أم خيار حر؟


 

 

د. وجيه قانصو

موقع الإمام الشيرازي

13 / شوال / 1447

 

 

تكون الحرب حتمية حين يتعطل الحوار وتنسد سبل التفاهم وتنعدم نقاط الإشتراك بين الدول المتخاصمة. عندها تنتقل العلاقة بين الطرفين من التلاقي والتوافق على مشتركات، إلى صراع الإرادات يسعى كل طرف لإخضاع الآخر وإملاء إرادته عليه، من خلال خلق وضع جديد وميزان قوى مختلف وأطر علاقة تكون لصالح المنتصر. هذا يعني أن الحرب ليست فوضى عمياء أو مجرد حادث عسكري، بل هي، بحسب كلاوزفتز، فعل قصدي منظم للقوة وأداة لتحقيق غاية سياسية، بل هي، بحسب شميت، الإمكان الأقصى الذي يكشف حقيقة السياسي الذي لا يفهم إلا إذا ظل احتمال الصدام الوجودي حاضراً. هذا يجعل الحرب امتداداً للسياسة ووجهاً من أوجه نشاطها، لكون الحرب فعلاً مدروساً ومخططاً له ويدار بيقظة تامة وتوظيف كامل للطاقات والموارد واستنفار كامل للعقل البارد في وضع الخطط والتكتيكات والاستراتيجيات لتحقيق الإبادة أو الغلبة أو فرض شروط الاستسلام على الخصم.

جاذبية لعبة الحرب

مع اندلاع الحرب، يخضع المتحاربون للعبة الحرب، التي تنشيء لغة ودينامية وأهداف وقواعد ومنطق خاص بها بمعزل عن وعي المتحاربين أنفسهم. لعبة تنفث في المتحاربين سحرها وتجذبهم إلى عالمها وتعبئهم بروحها، تهبها السيادة عليهم، وتفرض عليهم التعامل معها بجدية بالغة ويكونوا لاعبين عضويين فيها. لعبة الحرب تُحدِث تغييراً في أولويات المتحاربين وخطابهم ونظام قيمهم وطريقة تفكيرهم وآليات قرارهم، فلا يعود المتحاربون نفس الأشخاص قبل الحرب. بل تدخل الحرب على المفاهيم والمعاني والصور فتعيد صياغتها وتضعها بتصرفها وبخدمة غاياتها،  فلا تعود القيم والمعايير تحمل نفس المعنى والدلالة التي كانت عليهما قبل الحرب. فإن الحرب لا تكتف بفعل القتال والعنف الجسدي، بل تعمد إلى كوننة معناها وإظهارها حفظاً وصوناً للحياة وضرورة وجود وطريق خلاص ونجاة.

الهدف الجوهري وربما الوحيد هو هزيمة العدو وكسر إرادته ودفعه إلى الاستسلام. هو هدف يصبح في المعركة مدار القرار والتفكير والتعبئة. بالتالي في الحرب يتراجع العنوان الأخلاقي إلى الوراء، فلا يعود مُوجِّهاً أو ضابطاً لقرار الحرب وسير المعركة، بل يصبح أدة ووسيلة. فبدلا من أن تتقيد الحرب بالأخلاق، تتحول العناوين الأخلاقية إلى شعارات تسبغ على الحرب قيمة عليا تسوغ كل دمارها ووحشيتها وبشاعتها وجرائمها. فتارة تتسمى بالحرب العادلة، وتارة بحرب تحرير الإنسان أو الأرض، وتارة بحرب الكرامة والحقوق الإنسانيين، وتارة بحرب السلام والاستقرار. هي جميعها أدوات تعبئة شعبية ومطلب جماهيري للحرب، إبراء ذمة القاتل وتحريره من عقدة الذنب بإطلاق صفة الخير والحق على فعله وتعميق شعوره بالتسامي. عندها تتراجع المحظورات وتمارس القسوة بإسم الواجب، وتضمحل قيمة الأبرياء المقتولين، بعد أن يُصوروا أضراراً جانبية لا بد منها لتحقيق أهداف الحرب الأسمى.

المواجهة الدينية المقدسة

أما الدين فيقع في صلب معنى وغاية الحرب. تصبح مع إقحام المضمون الديني فيها حرب المطلقات: مطلق ديني في مواجهة مطلق ديني آخر. وبخلاف المسوغ السياسي للحرب الذي يبقى موضع نقاش ويبقى العدو السياسي قابلا للاعتراف به والتفاوض معه، فإن "الحرب المقدسة" تكون فوق النقاش، كونها لا تحتاج إلى أدلة ومعطيات، بل يكون نقاشها ضعف إيمان وخيانة ورِدَّة وخروج عن أمر الله.

مع هذه الحرب "الدينية" – أو التي تُسمى دينية - ينقسم العالم الى فسطاطي مقدس ومدنس، خير وشر، حق وباطل. ما يرسم الفاصل الحاد بين نحنُ وهُم. لا يعود الآخر الخصم بشراً ويصير عدواً لله والحق، ويتحول من عدو سياسي إلى مجرم ضد الإنسانية وشرير مطلق وشيء يجب استئصاله لا فقط هزيمته. بل تتولد لدى المقاتل اندفاعات طهرية يصير معه القتل فعل تطهر وتسامي والموت طريق قداسة وفداء وقربان للعبور إلى مراتب العليين.

لا تعود الحرب بهذا المعنى حرب مصالح بل حرب معنى ونهاية وقيمة قصوى، تُولِّد حالة فوران وغليان جمعي،  ترفع الجماعة المتحاربة إلى مرتبة "المقدس"، وتنشيء لدى المتحاربين، بحسب دوركايم، طاقة وجدانية عالية يشعرون أنهم خرجوا من حياتهم الفردية ودخلوا في حالة أعلى، تجعل التضحية من أجل الكل قيمة قصوى وواجبا أخلاقيا أعلى. حينها تتحول الحرب إلى حرب شاملة أو إبادة، وتصير بإسم الإنسانية والدين والمطلق أشد شمولا ووحشية.

هنا نسأل، هل الحرب، مهما تعالت على نفسها وتقدسنت، مظهر بداءة إنسانية، بحسب فرويد، وكشف عن بنية عميقة في الإنسان، تظهر هشاشة الحضارة الإنسانية وترفع القناع عن الإنسان المتحضر؟  لكونها تحرك قوة الموت والتدمير فيه وتفجر العدوان الكامن فيه، من خلال توجيهه بنحو منظم إلى الخارج بدل الداخل، ما يسهم في تحرير الإنسان من قلقه وتهديء خوفه. أم هي ثمرة المدنية نفسها، بحسب روسو، التي أخرجت الإنسان باختيار طوعي منه من طبيعته الأولى وسلخت عنه براءته وطيبته، ولم يعد بإمكانه العودة إلى تكوينه الأصلي والخروج من هذه المدنية التي بات القتل والحروب من مستلزماتها المنطقية وضروراتها الواقعية؟

كلا التفسيرين ممكنين. هما يختلفان في منشأ الحرب في كونها: إما ثمرة تكوين إنساني، أو خيار إنساني حر غيِّر بنحو جذري طبيعة وجوده ومجرى تاريخه. لكنهما يتفقان في النتيجة، وهي أن الحرب باتت جزء من واقع إنساني لم يعد بالإمكان تحويله أو استبداله أو الخروج منه.

* (كاتب وأكاديمي لبناني)