![]() |
|
|
بين العناد والعقلانية .. هكذا انخرط الشيعة في لبنان الكبير
موقع الإمام الشيرازي 11 / شوال / 1447
في عام 1920، عندما أُعلنت دولة لبنان الكبير من قصر الصنوبر، لم يكن المشهد في جبل عامل بسيطًا أو محسومًا فجزء واسع من شيعة جبل عامل رفض الانضمام إلى الكيان الجديد. لم يكن هذا الرفض تمرّدًا على فكرة الدولة بحد ذاتها، بل موقفًا عاطفيًا مشروعًا، منسجمًا مع المزاج العام لدى المسلمين في بلاد الشام الذين أيّدوا قيام الدولة العربية الكبرى بزعامة الملك فيصل بن الشريف حسين، حيث بدا حلم الوحدة العربية أقرب إلى الوجدان من خرائط الانتداب، لكن التاريخ لا يسير بالعاطفة وحدها. الحملة الفرنسية ولحظة إعادة الحسابات بعد أحداث فتنة عين إبل، جاءت الحملة الفرنسية بقيادة الجنرال نيجر، فدخلت القوات الفرنسية جبل عامل واحتُلّ الإقليم كاملًا. أُبعد الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين إلى فلسطين، وكذلك الزعيم كامل الأسعد. شكّلت تلك المرحلة لحظة فاصلة: انكسارًا عسكريًا وسياسيًا، لكنها في الوقت نفسه كانت بداية إعادة قراءة الواقع وموازين القوى. من الرفض العاطفي إلى الخيار السياسي أمام واقع الانتداب، وأمام ميزان قوى لا يميل لمصلحة مشروع الدولة العربية، اختار أعيان الشيعة العامليين ما اعتبروه الخيار العقلاني: القبول بالانضمام إلى لبنان الكبير تحت اسم “جنوب لبنان”. لم يكن القرار احتفالًا بالهزيمة، بل انتقالًا من موقف عاطفي إلى تموضع سياسي جديد داخل كيان ناشئ. بداية الاندماج في الدولة اللبنانية منذ تلك اللحظة، لم يبقَ الشيعة العامليون على هامش الكيان. على العكس، انخرطوا مع باقي الطوائف اللبنانية في الشأن العام بأوسع أبوابه: في الإدارة، والنيابة، والقضاء، والتعليم، وسائر مؤسسات الدولة التي كانت تتشكّل تدريجيًا. ويمكن القول بموضوعية تاريخية إن نهضة الطائفة الشيعية الحديثة انطلقت إلى حدّ كبير عبر مؤسسات الدولة اللبنانية نفسها. الاعتراف الديني وبناء الإطار القانوني كان أول مظاهر هذا التحول الاعتراف الرسمي بكيان الطائفة الديني. فقد أُقرّت المحاكم الشرعية الجعفرية، ما منح الطائفة إطارًا قانونيًا لإدارة شؤونها الشخصية والدينية أسوة بباقي الطوائف اللبنانية. لم يعد الانتماء الديني شأنًا مهمّشًا، بل أصبح جزءًا من البنية القانونية للدولة. التعليم: بوابة التحول الاجتماعي منذ فترة الانتداب الفرنسي، بدأ التعليم الرسمي المجاني يتوسّع تدريجيًا في مختلف المناطق اللبنانية. ومع الاستقلال عام 1943، عملت الدولة اللبنانية على تعميم التعليم في جميع المحافظات، بما فيها جنوب لبنان. شيئًا فشيئًا، لم تعد قرية بلا مدرسة، ولا محافظة بلا مؤسسة تعليمية رسمية. الجامعة اللبنانية وصعود أبناء الأطراف مع تأسيس الجامعة اللبنانية عام 1951 وافتتاح فروعها في المناطق، أصبح التعليم العالي في متناول أبناء العائلات المتوسطة والفقيرة. هنا بدأ التحول الاجتماعي العميق داخل البيئة الشيعية: أبناء الفلاحين صاروا أطباء ومهندسين وقضاة وأساتذة جامعات. لم يعد الصعود الاجتماعي حكرًا على المدن الكبرى أو العائلات الميسورة. الدولة كسلّم للترقي الاجتماعي تزامن توسّع التعليم مع توسّع الإدارة العامة. فُتحت أبواب الوظائف أمام خريجي التعليم الرسمي، ودخل شباب الجنوب والبقاع بقوة إلى السلك الإداري والعسكري والقضائي والتعليمي. الدولة، بكل ما لها وما عليها، تحوّلت إلى سلّم للترقي الاجتماعي. مفارقة تاريخية لافتة تبرز هنا مفارقة تاريخيّة لافتة: الطائفة التي ترددت في البداية في الانضمام إلى لبنان الكبير، هي نفسها التي استفادت لاحقًا من مؤسسات هذا الكيان في بناء نهضتها الحديثة. بين الإهمال والاندماج لم يكن الطريق معبّدًا بالكامل. بقي الجنوب يعاني من الإهمال الإنمائي، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، وضعف البنية التحتية مقارنة بالعاصمة. لكن في المقابل، استمر مسار الاندماج في الدولة، وتواصل الصعود الاجتماعي عبر التعليم والمؤسسات. المطالبة بالدور لا بالخروج من الدولة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ومع تصاعد الوعي السياسي والاجتماعي، بدأت البيئة الشيعية تطالب بدور أكبر داخل الدولة، لا بالخروج منها. حتى الحركات الاحتجاجية الأولى رفعت شعار الإنصاف داخل النظام، لا إسقاط الكيان. قرن من التحولات وإعادة تعريف العلاقة مع الدولة نحن أمام مسار تاريخي يمكن توصيفه بأنه انتقال من الرفض العاطفي إلى الاندماج العقلاني، ومن التهميش النسبي إلى الصعود التدريجي عبر مؤسسات الدولة. كان عام 1920 عامًا للانقسام والحلم الضائع، لكن ما تلاه شكّل قرنًا من التحولات والتكيّف وإعادة تعريف العلاقة بين الطائفة والدولة. ربما الدرس الأهم من تلك المرحلة أن الكيانات لا تُبنى بالعاطفة وحدها، ولا تُدار بالحنين إلى مشاريع لم تكتمل. ما صنع الفارق كان قرار الانخراط، الاستثمار في التعليم، والرهان على الدولة بوصفها مجالًا للصعود الاجتماعي والسياسي. * (كاتب صحفي لبناني) |