
|
السلام المفقود .. لغة السلاح تُفاقِمُ الواقع المأزوم |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 1/ جمادى الأولى/ 1448
لغة السلاح لا تبني مستقبلاً، بل تهدم الحاضر، وتئد الأمل في الاستقرار والازدهار، تاركة خلفها بلاداً بلا دولة، وشعوباً بلا أمان، وديناً غير الدين
جاء الإسلام برسالته السماوية كمنظومة أخلاقية وتشريعية متكاملة، تهدف في جوهرها إلى إرساء قواعد السلم والسلام، وبث قيم التسامح والعيش المشترك، والتعاون بين الناس من أجل الناس، والحث على نهج اللاعنف في كافة مناحي الحياة. وهذه المبادئ الغسلامية غاية استراتيجية تروم تأمين حياة كريمة للإنسان، وحفظ حقوق الشعوب، وتمكين البلدان من العيش في أمان واستقرار وازدهار، باعتبار أن السلم هو الحاضنة الوحيدة للتطور والرفاه والرقي الحضاري. إلا أن المتأمل اليوم في واقع الحال لعدد من البلدان الإسلامية، في الشرق الأوسط، يصطدم بحقيقة مؤلمة تكشف عن بون شاسع وتناقض كلي بين تلك القيم الإلهية السامية، وبين الأفكار والآراء والسياسات الطائشة التي تُمارَس على أرض الواقع، حيث غدت لغة السلاح هي السائدة، لتُفاقِم بؤر الصراع وتنتج واقعاً مأزوماً ومثقلاً بالخسائر التي طالت الإنسان، والوطن، والقيم. وفي ظل هذا المشهد، يتجلى "السلام المفقود" كضريبة باهظة تدفعها الشعوب نتيجة إعلاء منطق القوة على حساب القانون، وتحويل البندقية إلى أداة لفرض الأمر الواقع وإفشال الدولة. وفي مواجهة تمدد هذه الأفكار والممارسات التي تسعى لفرض نفوذها بقوة السلاح، والتي هي ليست وليدة العقود الثلاثة الأخيرة، نهض - وكان رائداً - المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) لإدانة هذا السلوك العنيف وتأصيل حرمته شرعاً، مفنداً محاولات شرعنتها باسم "الجهاد ضد الظالم" أو "مقاومة الاحتلال" أو "الدفاع عن المعتقد"، ومحذراً من خطرها الأكبر المتمثل في إضعاف الدولة وتفتيت القانون، وصولاً الى تحريف مبادئ الإسلام، وتشويه القيم والأخلاق. في كتابه (فقه المرور)، تناول الإمام الشيرازي الراحل (قُدِّس سِرُّه) مسألة الاختطاف والترهيب، مؤكداً: "لا يجوز لإنسان أن يختطف طائرة أو سيارة أو قطار أو غواصة أو ما أشبه، فإنها من أعمال العنف والإرهاب وهو محرم أشد الحرمة في الشريعة الإسلامية" (ص281). ولم يكتف بتحريم وسائل معينة، بل أصّّل لقاعدة عامة تمنع الغدر والعنف بكافة أشكاله، حيث يقول في كتابه (الفقه: النظافة): "يُحرِّم الإسلام الغدر والاغتيال والإرعاب وكل ما يسمى اليوم بالعنف والإرهاب، فإنه لا عنف في الإسلام، ولا يجوز أي نوع من أعمال العنف والإرهاب الذي يوجب إيذاء الناس وإرعابهم، والغدر بهم وبحياتهم، أو يؤدي إلى تشويه سمعة الإسلام والمسلمين" (ص300). هذا التأصيل يوضح أن الغايات السياسية أو العقائدية لا تبرر أبداً اللجوء إلى وسائل تروع الآمنين وتستبيح القوانين، وتستهين بحياة الإنسان وأمن المجتمع، فكل محاولة للخروج عن الدولة بقوة السلاح هي إفساد للنسيج المجتمعي وتشويه لقيم الشريعة. السلاح والسلم الأهلي تسعى الجماعات والفصائل والحركات والمليشيات المسلحة عادة إلى تبرير وجودها وسلوكها غير القانوني (وغالباً يكون السلوك عنيفاً) عبر تقديم الوعود بالانتصار والدفاع عن الدين/الطائفة وحماية الهوية، إلا أن التجربة التاريخية والواقع المعاصر يثبتان أن سياسة السلاح والقوة لا تنتج إلا دماراً مستداماً وهزيمة للداخل. بالتالي، سياسة السلاح والحرب والصراع مع الدول أو مع المجتمع تصنع أزمات وتجلب كوارث. وفي هذا الإطار، يحذر الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) في كتابه (طريق النجاة) من أن العنف يُدخِل المجتمعات في حلقة مفرغة لا تنتهي، فيقول: "العنف يولد العنف والعنيف يجد من هو أعنف منه، وعند التأمّل نجد إن ظرفنا الراهن يشبه - إلى حد ما - وضع المسلمين في المرحلة الأولى من صدر الإسلام - في مكة المكرمة - فلو كان المسلمون قد استخدموا العنف لواجهوا مصيراً محتوماً على أيدي كفار قريش" (ص39). وفي مقابل هذا السلوك المدمر، يتساءل الإمام الشيرازي الراحل عما كان سيحدث لو تبنت هذه الحركات السلم واللاعنف كسلاح للمواجهة والتغيير، مستلهماً السيرة النبوية؛ حيث يوضح أن الرسول (صلى الله عليه وآله) باستخدامه لسلاح السلم واللاعنف في مكة كسب المعركة بأقل الخسائر، ولم يستخدم السلاح في المدينة إلا لرد الاعتداء فقط، مؤكداً أن "السلام أحمد عاقبة، وأقصر طريقاً لبلوغ الغايات" (ممارسة التغيير لانقاذ المسلمين: ص147)، وأن "مَنْ يلتزم بقيم السلام فلابد له أن ينتصر في الحياة" (اللاعنف في الإسلام: ص10). في السياق، فإن اعتماد الدولة لغة السلاح في "مشاكلها وأزماتها" مع الدول الأخرى، أو اتخاذ أحزاب وجماعات السلاح وسيلة للعمل داخل الدولة (وخارج إطار الدولة)، سياسة خطيرة تؤسس للفساد والفشل وتمهد لانهيار تاريخي حتمي وتجعل السلام والاستقرار والازدهار بعيد المنال، يقول (قُدِّس سرُّه): "مَنْ يبني سياسته على الحروب وتأجيج الصراعات قد يظفر بمعركة هنا أو يحرز مكسباً ميدانياً هناك، غير أنه يعجز عن بناء دولة أو صناعة سلام؛ فالحراب لا يؤسس شرعية ولا يصنع استقراراً، بل يمهد لانهيار تاريخي محتوم" (الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص20). في الوقت، أن القوى ذات النزعة الديكتاتورية والجماعاتية الفصائلية أو المليشياوية غالباً ما تتخذ من إشعال الصراعات وسيلة لتثبيت سطوتها، وتبرير قمعها للشعب، وتمرير مآربها الخاصة على حساب مصير الشعوب واستقرارها، يقول (قُدِّس سرُّه): "غالباً ما يتخذ النظام الديكتاتوري من إشعال الحروب وسيلة لتثبيت سطوته، وتبرير قمعه، وتمرير مآربه" (ممارسة التغيير: ص303). من المنهج العلوي خطورة الجماعات "الإسلامية" المسلحة وعقليتها القمعية/الاستبدادية لا تقتصر على إضعاف الدولة فحسب، بل تتبدى بوضوح في كيفية تعاملها مع أي حراك شعبي يطالب بالإصلاح والعيش الكريم، وهو ما تجسد بأقصى درجاته في "احتجاجات تشرين" في العراق في العام 2019. هنا، يبرز تحليل الطبيب النفسي والفيلسوف الاجتماعي "فرانز فانون" حول توحش المنظومات الاستبدادية ومواجهتها للرفض السلمي، حيث يقول: "المنظومة المستبدة لا تحاور، بل تضرب وتطلق النار. فهي تصف كل تحرك شعبي للمطالبة بالكرامة بأنه مؤامرة مدفوعة من الخارج أو تخريب، لأن الاعتراف بمشروعية المطالب يعني الاعتراف بفشلها وجرمها". وفي هذا السياق، جسّدت احتجاجات تشرين في العراق (2019) هذا التحليل بدقة متناهية؛ فحين انتفض الشباب سلمياً للمطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية وإعادة هيبة الدولة، واجهتهم المنظومة الحاكمة والجماعات المسلحة المرتبطة بها بالرصاص الحي والخطف والاغتيال بدلاً من الحوار. ولأن هذه المنظومة المأزومة عجزت عن مواجهة "القوة الجمعية" للشعب وعيونه المطالبة بالحق، لجأت فوراً إلى تكتيك الشيطنة الجاهز، فوصمت الحراك بأنه "مؤامرة مدفوعة من الخارج" و"تخريب عميل"، متبعة ذات العقيدة الاستبدادية التي ترى في وعي الجماهير وحقهم في وطن آمن تهديداً مباشراً لوجودها ومصالحها، فلا تجد مخرجاً لحمايتها سوى القمع العاري وإطلاق النار. على النقيض تماماً من هذا التوحش والقمع، يقدم التاريخ الإسلامي الأصيل، متمثلاً في سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نموذجاً إنسانياً فريداً في التعامل مع المعارضة وحفظ كرامة وحرية المعترضين، حتى وإنْ خالفوا الحق عامدين. يذكر الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته) أن الكوفة شهدت في عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إضراباً مضاداً تارة، وتظاهرات معارضة تارة أخرى. وإزاء ذلك، لم يرسل أمير المؤمنين شرطة أو مجاميع مسلحة لقمعهم، بل أرسل ولده الإمام الحسن الزكي (عليه السلام) ليعظهم ويرشدهم إلى جادة الصواب؛ فلما أبوا واستكبروا، تلا الإمام قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾(النساء: 115)، واكتفى بهذا التذكير القرآني والوعظ الفكري، دون اتخاذ أي إجراء عقابي أو قمعي ضدّهم؛ صوناً لحريتهم في التعبير وطبقاً لمنهجه في عدم إكراه الناس أو تخويفهم أو إرهابهم. وفي عهده الشهير إلى مالك الأشتر، يظهر المنهج العَلَويّ في أقصى درجاته الإنسانية، حيث حذَّر الإمام أمير المؤمنين مِنْ وَصْفِ المعارضين بـ"المنافقين" أو معاملتهم كأعداء، مؤكداً (عليه السلام) أن الحكم يجب أن يعتمد على الحجة والبيان لا على القمع والتنكيل. هذا النهج لم يكن مجرد تسامح عابر، بل استراتيجية حكيمة لإدارة الدولة بأبوة ورحمة ومراعاة مصلحة الأمة ككل، مانحاً كل من يعارض بالكلمة الحرية والأمان التام، ومرسخاً مبدأ أن قوة الدولة تكمن في عدلها وقدرتها على الاستيعاب، لا في ترهيب مواطنيها. انحراف المنهج .. إفشال الدولة وعند مقارنة هذا السمو العَلَويّ بأعمال الأحزاب والجماعات "الإسلامية" المسلحة في منطقتنا اليوم، يظهر حجم الانحراف عن قيم الإسلام، لاسيما حين تتجه هذه الجماعات لتفتيت هيبة الدولة وإضعاف القانون من خلال عمليات الترهيب والخطف والاغتيال والاعتقال والتفجير التي شهدتها المنطقة؛ منها على سبيل المثال: * تفجير السفارة العراقية في بيروت (1981)؛ الذي دمر مبنى بالكامل وأودى بحياة 61 شخصاً بينهم دبلوماسيون ونساء مثل السيدة العراقية بلقيس الراوي (زوجة الشاعر السوري نزار قباني)، في غدر صريح واستهداف للمدنيين ولسيادة الدول. * خطف الأجانب والاعتداء على السفارات في لبنان، واستهداف الدبلوماسيين والصحفيين الغربيين في ظروف قاسية، مجهضاً أمان المستأمنين وعهودهم. * خطف الخبراء الأجانب من وزارة المالية العراقية (2007)، واحتجاز البريطانيين وقتل حراسهم الأمنيين لابتزاز الدولة وإعاقة أنظمة مكافحة الفساد، مما يوضح كيف يعمل السلاح على حماية شبكات الجريمة وإفشال المؤسسات. * خطف العمال الأتراك في بغداد (2015)، واحتجاز 18 عاملاً ومهندساً مدنياً لمقايضتهم في صراعات إقليمية تقع خارج حدود الدولة وقوانينها. * خطف الصيادين القطريين في جنوب العراق (2015)، في مخيم مرخص رسمياً، واحتجازهم 16 شهراً لابتزاز دول وأطراف إقليمية، في تفتيت كامل لسيادة الدولة العراقية وأمنها الداخلي. * ممارسات حركة حماس والتحولات الدموية في قطاع غزة كقمع الحراكات الشبابية السلمية (بدنا نعيش)، وتصفية المعارضين، كحوادث رمي من أسطح البنايات المرتفعة خلال الاقتتال الداخلي الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح في قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007، وصولاً إلى هجوم حماس في السابع من أكتوبر الذي استهدف المدنيين والرهائن في هجوم السابع من أكتوبر، ومشاهد الترويع والتمثيل بالرهائن، في تناقض صارخ مع الوصايا النبوية الشريفة بعدم الغدر بالآمنين والنساء والأطفال. * الاعتداء على أصحاب معامل أو مكاتب تجارية وتهديد شركات ورجال أعمال، وقصف الأماكن العامة، والمطارات المدنية؛ حتى إذا كان فيها عشرات أو مئات المعتمرين. وإلى جانب ذلك، شهدت الساحة العامة نموذجاً متكاملاً من "العنف الناعم" والتغول المؤسساتي؛ حيث لم تكن السيطرة مقتصرة على البندقية، بل امتدت لتفكيك بنية الدولة من الداخل. تمثل ذلك في خنق حرية الرأي عبر الترهيب المعنوي والتهديد غير المباشر، وتلفيق التهم لكل قلم يحاول كشف الفساد، مما ألغى عملياً دور الصحافة الرقابية. وتزامن هذا الإسكات مع سطوة خفية طالت الملكيات الخاصة؛ إذ جرى انتزاع أراض ومبان عبر التلاعب بالقيود الرسمية وسجلات التوثيق بعد إرهاب أصحابها الأصليين وإجبارهم على التنازل. والأخطر من ذلك هو التعامل مع وزارات الدولة ومواردها الحيوية كـ "فيء وغنائم"، حيث حُوّلت الميزانيات إلى شبكات تمويل موازية عبر المناقصات الصورية، والرواتب الوهمية، والهيمنة على المنافذ الاقتصادية، مما حوّل المؤسسات من خادم للمجتمع إلى أداة لابتزازه وتجريده من حقوقه الأساسية ومستقبله المعيشي. في المقابل، يدعو الإسلام الى التمسك بالعدل كقيمة جامعة تحمي الفرد والمجتمع من الانهيار، وتقرب الإنسان الى الله سبحانه، وتكون له زاداً مباركاً في الدنيا والآخرة. وهنا، يدعو الإمام الشيرازي الراحل الى التأمل والتفكر والاعتبار بوصية الإمام الصادق (عليه السلام) لابن جندب: «يَا ابْنَ جُنْدَب بلِّغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب، فوالله لا تُنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الاخوان في الله، وليس مِنْ شيعتنا مَنْ يظلم الناس» (بحار الأنوار: ج75 - ص279_280). وهكذا، فإن العامل المشترك بين الجماعات "الإسلامية" المسلحة في كل هذه الكوارث هو استخدام السلاح خارج إطار الدولة/خارج إطار القانون، مما أدى - ويؤدي - بالضرورة إلى إفشال الدولة، وتغييب سلطة القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه، ونشر الفوضى، ليدفع المدنيون العزل ضريبة بائسة من غياب الخدمات، والفقر، والبطالة، كما يحدث في العراق على سبيل المثال. في مقابل السلوك المسلح والمندفع للأحزاب والفصائل والجماعات "الإسلامية"، أرست التعاليم النبوية الكريمة قواعد عسكرية صارمة في أزمنة الحرب، تشكل إدانة صريحة لكل ممارسات الجماعات الخارجة على القانون التي تشهدها بلداننا ومجتمعاتنا خلال العقود الأخيرة. يقول الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله): «الشواهد على حرص الإسلام في حقن الدماء في هذا المجال كثيرة جداً في التاريخ الإسلامي، ومن هذه المشاهد من سيرة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) في غزواته وحروبه أنه إذا أراد أن يبعث سريَّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يوصيهم فيقول: (سيروا بسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لاتغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولاتقطعوا شجراً، إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى أحد من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله)(وسائل الشيعة: ج15 - ص59). وهنا تتجلى مراعاة الإسلام لأساليب القتال الإنسانية بحيث لا تؤثر على معتزلي القتال من الشيوخ والنساء والأطفال والجرحى، إضافة إلى الوصية بعدم الغدر وعدم التمثيل وعدم التعرض للبيئة من قلع الأشجار وما أشبه» (السلم والسلام: ص25-26). هنا؛ يوصي نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) بوصية أخلاقية وإنسانية نبيلة، ويوضح ويبين ويفصِّل ويؤكد ويدعو الى أن: * «لا تغلوا»: إدانة للسرقة والنهب وابتزاز أموال الشعب وسرقة مقدرات الدولة، وتأكيد على التزام قيم النزاهة حتى في الصراعات. * «لا تمثلوا»: تحريم قاطع للانتقام والعبث بالجثث أو التنكيل بالخصوم المصروعين، وهو ما سبق كل القوانين الدولية التي أقرّت لاحقاً ضرورة دفن الموتى واحترام جثامينهم. * «لا تغدروا»: حظر شامل للمباغتة وضرب الخصوم دون إنذار ودون دعوتهم للسلم، والتزام مطلق بالعهود والمواثيق. وهو مبدأ لم تدركه القوانين الدولية إلا متأخراً في مساعي تجنب ترويع الآمنين. * حماية المدنيين؛ حيث التشديد على منع قتل الشيخ الفاني، والصبي، والمرأة، باعتبارهم غير محاربين، وهو أصل إسلامي سابق لاتفاقية جنيف في العام 1949. * حظر الدمار الشامل؛ فالنهي النبوي عن «إلقاء السم في بلاد المشركين»، الذي يمتد اليوم ليحظر استخدام أسلحة الدمار الشامل والقتل الجماعي العشوائي؛ كالسلاح الكيمياوي الذي استخدمه نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري، وفقاً للتحقيقات المشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيمياوية التي خلصت الى أن النظام السوري مسؤول بشكل مباشر عن هجمات محددة، أبرزها هجوم غاز السارين على خان شيخون (أبريل 2017)، وثلاثة هجمات أخرى باستخدام غاز الكلور. وفي سياق أسلحة الدمار الكبير أو الشامل، فإن الإغراق المنظم للمجتمعات بالمواد المخدرة من قِبل أحزاب وفصائل ومليشيات "إسلامية" لا يمكن اختزاله في سياق الجريمة الجنائية "العادية" أو السعي وراء التمويل المالي الفاحش فحسب، بل هو امتداد لـ "حرب هجينة" لا تماثلية. هذه التجارة القاتلة العابرة للحدود باتت تُصنَف كنوع من أسلحة الدمار الشامل البديلة؛ فإذا كانت الأسلحة الكيمياوية والبيولوجية تحقق فتكاً بيولوجياً فورياً، فإن التدفق المكثف للمخدرات يحقق إهلاكاً تدريجياً وبطيئاً يضرب مقاصد الاستقرار والأمن القومي في مقتل، عبر تدمير البنية الاجتماعية، وتفكيك منظومة العقول والأنفس على نطاق واسع، وإنهاك القدرات الاقتصادية للدول المستهدفة دون الحاجة لصدام عسكري مباشر. بالتالي، فإن هذه الوصية النبوية الخالدة تترجم مبدأ أن "الغاية لا تبرر الوسيلة أبداً في الإسلام"، وأن الرذيلة لا تنقلب فضيلة في أي حال، يقول سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) في إحدى محاضراته: «الرذيلة لا تنقلب إلى فضيلة، هذا هو منطق الإسلام، وسياسته الإنسانية حتى في الحرب، فالغاية لا تبرر الوسيلة أبداً». وعلى هذا النحو، فإن أصل الجهاد والمقاومة في الإسلام شُرِّع لحفظ الحياة وتخليصها من مظاهر الفساد والاستبداد، فكيف يستقيم أن تستند حركات مسلحة تدّعي الدين إلى الغدر، والترهيب، والقتل العشوائي، والتمثيل بالضحايا؟ إن تلك السلوكيات ليست إلا نمطاً من الإفساد في الأرض، يقول المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): «الإسلام دين السلم وشعاره السلام... والعدل وتعميم الخير هي الأسس المتينة الثابتة لكل تصرفات الإسلام حتى في حالة الحرب» (السياسة من واقع الإسلام: ص218). وهذا يثبت - مرة أخرى وأخرى - أن سلوك هذه الفصائل والجماعات غريب عن الأخلاق الإسلامية ويتناقض تماماً مع الوصايا النبوية الكريمة والوصايا العَلَوية الشريفة. وهكذا، تثبت الوقائع التاريخية وتأصيلات الفقهاء أن الأحزاب والجماعات والفصائل المسلحة التي تتخذ من القمع، والترهيب، والتفجير، والخطف، والاغتيال وسيلة للوصول إلى غاياتها، إنما تخالف جوهر الإسلام وتعيش في تناقض صارخ مع قيمه الإنسانية السامية. في الوقت أن هذه الممارسات لا تبني وطناً ولا تؤسس لشرعية، بل تقود حتماً إلى تدمير النسيج الاجتماعي وإفشال الدولة وإضعاف القانون، ليتحول المجتمع إلى ساحة صراع مستمر يغيب عنها الأمن وتتبدد فيها فرص الازدهار. وعلى هذا النحو، فإن حماية الإنسان وإعمار الأوطان لا يمكن أن تتحققا بالترهيب وقوة القمع العارية، بل بالعودة الواعية إلى منطق الدولة وحفظ هيبة القانون، والالتزام بـ "السلام المفقود" كقاعدة أساسية للحياة؛ فاللاعنف والعدل والرحمة هي الضمانات لبناء مجتمعات مستقرة، وبلدان عامرة وزاهرة، وتأمين عيش كريم يحفظ للإنسان كرامته وللدين نقاءه وصورته المشرقة والجاذبة. وفي السياق؛ فإن التجارب المريرة المعاصرة تقطع بأن البنادق والجماعات الخارجة على القانون قد تمنح حامليها وهماً بالسيطرة أو انتصارات جوفاء عابرة، لكنها في الحقيقة عاجزة تماماً عن صناعة مستقبل أو حماية وطن؛ فلغة السلاح لا تبني مستقبلاً، بل تهدم الحاضر وتُفاقِم الواقع المأزوم، وتئد كل أمل في الاستقرار والازدهار، تاركة خلفها بلاداً بلا دولة، وشعوباً بلا أمان، وديناً غير الدين.
------------------------------ مقالات ذات صلة * السلام المفقود .. تأصيل قيمي في مواجهة واقع مأزوم * السلام المفقود .. بين نصوص الرحمة والواقع المأزوم * السلام المفقود .. بين جوهر الشريعة والواقع المأزوم * السلام المفقود .. تراث مشرق وواقع مأزوم * السلام المفقود .. لا انتصار في واقع مأزوم |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|