السلام المفقود .. لا انتصار في واقع مأزوم




حوار الإمام علي الرضا (عليه السلام) مع المأمون .. درس في القيم والأولويات

 

موقع الإمام الشيرازي

25/ ربيع الآخِر/ 1448

 

 

في ظل واقع مأزوم تعيشه بلدان عدة في منطقة الشرق الأوسط، تسود سياسات متشنجة ومغامرات عسكرية غير محسوبة تُسوَّق كـ "انتصارات" موهومة، وإن معيار النجاح لدى هذه التوجهات العسكرتارية بات يقاس بحجم إشعال الجبهات وتوسيع النفوذ العابر للحدود، أو بمجرد بقاء القوى المهيمنة على حساب مآسي الشعوب وحطام الأوطان. ونتيجة لتقديم التمدد العسكري والمليشيوي على بناء الدولة، تتداعى المجتمعات وتنحدر نحو هاوية سحيقة من تدهور الخدمات الأساسية، والانهيار الاقتصادي، والتمزق القيمي والاجتماعي. بالتالي، وإزاء هذا الواقع يأتي حوار تاريخي نادر بين الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) والخليفة العباسي المأمون ليضع الأمور في نصابها الحقيقي. حوار يحمل في طياته حكمة عميقة وتقريعاً حاداً للسياسات التي تُفضّل المجد الزائل على السلام الراسخ والعدالة الدائمة، ويلفت العقول إلى فقه الأولويات، ويذكّر بأن أعظم المخاطر على الأمم ليست الهزيمة في ساحة القتال، بل أن يُهمَّش مبدأ السلام ويضيع العدل داخل المجتمع بينما يُرفَع علم النصر خارجه. حوار يتحدث فيه الإمام (عليه السلام) عن المنهج الإسلامي الأصيل الذي جعل السلام هو الأصل، والحرب استثناء ضيقاً ومقيَّداً، كما أنه يعكس صدى عميقاً لأساس الأزمة التي تمر بها بلادنا منذ عقود، وتكشف عن التناقض الصارخ بين قيم الإسلام الحقيقية والسياسات التي تبتعد عن قيم السلام والرحمة والرفق وتتبنى السلاح والعنف كمنهج.

يروي النص أن المأمون جاء إلى الإمام علي الرضا (عليه السلام) حاملاً كتاباً يبشّر بفتح إحدى قرى كابل، وانكبّ عليه وقبّل وجهه، ثم قرأ نبأ «الفتح». فلما فرغ، نظر إليه الإمام (عليه السلام) وقال: «وسرّك فتح قرية من قرى الشرك؟!».

استغرب المأمون وقال: «أَوَ ليس في ذلك سرور؟».

فكان جواب الإمام درساً خالداً فقال (عليه السلام): "يا أمير المؤمنين، اتّق الله في أمّة محمّد، وما ولّاك الله من هذا الأمر وخصّك به، فإنّك قد ضيّعتَ أمور المسلمين، وفوّضتَ ذلك إلى غيرك، يحكم فيهم بغير حكم الله، وقعدتَ في هذه البلاد، وتركتَ بيت الهجرة ومهبط الوحي، وإنّ المهاجرين والأنصار يُظلَمون دونك، ولا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته، فلا يجد مَنْ يشكو إليه حاله، ولا يصل إليك، فاتّق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين، وارجع إلى بيت النبوّة، ومعدن المهاجرين والأنصار، أَ ما علمتَ يا أمير المؤمنين، أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط؟ من أراده أخذه."

فقال المأمون: يا سيّدي فما ترى؟

قال الإمام (عليه السلام): "أرى أن تخرج من هذه البلاد، وتتحوّل إلى موضع آبائك وأجدادك، وتنظر في أمور المسلمين، ولا تكلهم إلى غيرك، فإنّ الله عزّ وجلّ سائلك عمّا ولّاك. فقام المأمون فقال: نِعْمَ ما قلتَ يا سيّدي، هذا هو الرأي، وخرج وأمر أن تقدّم النوائب ..." (بحار الأنوار: ج 49 - ص 165).

أي أن الإمام في نهاية المطاف نصح المأمون بالعودة مع جيشه إلى مركز الحكم ليتولى أمور الناس بنفسه، لأن الله سبحانه سائله عما ولّاه، وهذا يعني فيما يعني أن أمور الناس لها أولوية قصوى، في الوقت يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم" (نهج البلاغة: خطبة 167).

هذا الموقف الرضوي الشامخ سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً هو امتداد أصيل لمنهج الإسلام في رفض سياسات الحروب والصراعات والتوسع على حساب العدل. فالقرآن الكريم جعل الدخول في «السلم» هو الأصل: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً»، وجعل الجنوح إلى السلم واجباً متى أمكن: «وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا»(البقرة: 208). والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يقول وهو يُرمى بالحجارة: «اللهم إنما بعثت رحمة اهد قومي فإنهم لا يعلمون»(بحار الأنوار: ج16 – ص404)، ولما دخل مكة منتصراً قال: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»(الكافي: ج3 - ص513)، فعفى عن جميع الذين آذوه وتآمروا عليه وسعوا الى قتله. وكان أهل البيت (عليهم السلام) على النهج نفسه؛ فالإمام الحسن الزكي (عليه السلام) صالح حفظاً للدماء، والإمام الحسين (عليه السلام) سقي جيش الحرّ رغم العطش ولا يبدأ بقتال، والإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: «إنا أهل بيت مروتنا العفو عمن ظلمنا»(الوسائل: ج8 - ص522).

وفي عدة مؤلفات مثل: (طريق النجاة)، و(السياسة)، و(ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين)، و(اللاعنف في الإسلام)، و(اللاعنف منهج وسلوك)، و(السلم والسلام)، (فلسفة التاريخ)، (الى حكم الإسلام)، (فقه المرور)، (فقه النظافة)، (الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية)، (السبيل إلى إنهاض المسلمين)، (الصياغة الجديدة)، (فقه القانون) وغيرها من المحاضرات والكتب، أكد المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) هذا الأصل «السلم والسلام»ً، مبيناً أن السلم والسلام بمعناهما الشامل يعنيان الأمن والعافية والاستقرار والازدهار في كل أبعاد الحياة، وأن الإسلام حثّ على حب الخير لجميع الناس حتى الكفار، ورعايتهم حتى لو أساءوا. وكان (قُدِّس سره) يذكِّر مراراً وتكراراً إن الجانحين إلى السلام بقوا أعلاماً خالدة، بينما طوى النسيان أهل الحرب والعنف والغلظة.

واللافت أن الإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن أمام هزيمة أو كارثة، بل أمام «نصر وفتح» حقيقي حققه جيش المسلمين، ومع ذلك رفض أن يُسرّ به أو يجعله مصدراً للبهجة والتفاخر. بهذا الموقف أعاد (عليه السلام) تعريف مفهوم الانتصار نفسه؛ فإنه لا قيمة لأي فتح لقرية أو مدينة أو جبهة إذا كان ثمنه تضييع أمور الناس. كما رفض أن تتحول الحرب إلى مصدر شرعية أو فخر، حتى حين تُتوَّج بنصر ميداني (عسكري أو سياسي). وهذا الموقف أشد بلاغة من ألف خطاب نظري في ذم الحروب، لأنه صدر في لحظة انتصار لا في لحظة هزيمة.

أما في واقعنا المعاصر، فنجد عكس ذلك تماماً؛ هناك مَن يفتخرون بالحرب ويستسهلون استمرارها، رغم أنهم قد خسروا كل شيء؛ الإنسان والوطن والحياة الكريمة، حتى أصبح تعريف «الانتصار» نفسه محل جدل عقيم. أي انتصار هذا الذي يترك البلاد خراباً، والخدمات متداعية، والبطالة متفاقمة، والمخدرات منتشرة، والفقر والطلاق والأمية في ارتفاع، والأيتام بلا رعاية، والأرامل بلا عناية، وكبار السن بلا احترام؟

الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) وضع معياراً واضحاً لا لبس فيه؛ وهو أن الحاكم كالعمود في وسط الفسطاط (الخيمة الكبيرة)، وإذا استقام العمود قامت الخيمة، وإذا مال أو أُهمل انهارت ولو امتدت أطرافها إلى أقصى الأرض. وفي هذا السياق، فإن قيمة أي إنجاز خارجي تقاس بمدى حفظه لقيم العدل والسلام وكرامة الناس. وفي السياق نفسه، فإن القيادة أو الحكومة التي تُفضّل صخب السلاح/العنف من خلال «الفتح أو النفوذ أو البقاء بالسلطة» على أنين المظلوم، وذل الفقير، وبؤس المحروم، وآهات المريض، وتعاسة الأيتام، وشقاء الأرامل، وحزن الشَيَبَة، وتُؤْثِر إدامة الصراع هنا وهناك والتدخل في شؤون هذه الدولة أو تلك، على استقرار الوطن وحرية الشعب وكرامته وحقه في الحياة، إنما ذلك النظام أو تلك القيادة أو الحكومة تخالف شرائع الله، وتخون الأمانة، وتنتهك الأخلاق.

لقد جعل الإسلام العلاقة بين الدول والجماعات والأفراد علاقة سلم وسلام وتعاون، وحث المسلمين على حب الخير لجميع البشرية والإحسان لها. وعلى هذا، فإن العودة إلى مفهوم "عَمود الفُسطاط" والمسؤولية الكاملة هي السبيل الوحيد لبناء دول آمنة، مستقرة، ومزدهرة، وتأمين حياة كريمة ومستقرة للأمة وللأجيال القادمة. وهكذا، فإن جوهر حكمة الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)؛ في نصيحته للخليفة العباسي المأمون، يتلخص في عبارة الإمام الحاسمة: "اتّق الله في أمّة محمّد، وما ولّاك الله من هذا الأمر وخصّك به، فإنّك قد ضيّعت أمور المسلمين". هذه الحكمة الرضوية هي المعيار الأخلاقي الحقيقي لتقييم الدولة أو النظام أو القيادة؛ فالحكم أو المسؤولية ليست امتيازاً شخصياً أو فرصة للتوسع الإقليمي، بل هي أمانة إلهية وأخلاقية تلزم الحاكم، أو الزعيم، أو القائد، بتحقيق العدالة ورعاية جميع أفراد الشعب، وإن إهمال شؤون وحقوق الشعب، هو ابتعاد كامل وخطير عن جوهر الرسالة الإسلامية الداعية للحياة واحترام الحقوق والحريات والسلام.

--------------------------------

مقالات ذات صلة

* السلام المفقود .. تأصيل قيمي في مواجهة واقع مأزوم

* السلام المفقود .. بين نصوص الرحمة والواقع المأزوم

* السلام المفقود .. بين جوهر الشريعة والواقع المأزوم

* السلام المفقود .. تراث مشرق وواقع مأزوم