
|
السلام المفقود .. تراث مشرق وواقع مأزوم |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 23/ ربيع الآخِر/ 1448
مبادئ السلام يعبق بها تاريخ الأنبياء وتراث الإسلام، وهي قيم تنتظر مَنْ يعيد إليها الحياة، والواقع المأزوم ينتظر مَنْ يختار طريق النجاة
في كل عصر يعلو فيه صوت السلاح ويسود منطق العدوان والقهر والقسوة والكراهية، يعود التراث الإسلامي المشرق ليذكِّر بأن السلام ليس مجرد شعار عابر، ولا ضعفاً يتوارى خلفه، بل هو جوهر الرسالة ومنهج الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، وهو السبيل الذي بنى حضارة وغيَّر مجتمعات وملأ القلوب هدى ونوراً قبل أن يملأ الأرض حضوراً كريماً وباهراً. هذا التراث الإسلامي الإنساني الوضّاء، الذي تجسد في سيرة النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الطيبين الطاهرين (عليهم السلام)، يقدم دليلاً ناصعاً وفاخراً على أن الصبر أبلغ من السيف، وأن العفو أبقى من الانتقام، وأن السلم والسلام أجدى من الحرب والعدوان، وأن الحوار أقدر على كسب العقول من أي قوة مادية، وأن مكارم الأخلاق أجدر بكسب القلوب من أي سلطة. في المقابل، الواقع الذي نعيشه في عدد من بلاد المسلمين فيكشف نقيضاً بائساً ومؤلماً؛ حيث سياسات تتبنى السلاح والجماعات المسلحة، وتديم الصراعات، وتشعل الفتن بين مكونات المجتمع، وتؤجج الكراهية، وتتدخل في شؤون الآخرين وتحرض عليهم. هذه السياسات العدائية والاستفزازية والطائشة لا تأتي بنتيجة واحدة، تظهر في الواقع من خلال خراب بدل الإعمار، وبؤس بدل الازدهار، وموت بدل الحياة الكريمة. وهذه النتيجة الموجعة هي حتمية لأنها تخالف الدين وقيم السلام وضد منطق الشعوب وتشبثها بالحياة الآمنة والاستقرار والرفاه، لذلك يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته): «الجانحون إلى السلام بقوا أعلاماً خالدة في أوطانهم وخارجها، بينما طوى النسيان أهل الحرب والعنف والغلظة، فما تركوا وراءهم سوى سيرة النفور والامتعاض» (ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين: ص159). في الموازاة، لابد من سؤال إنساني كبير: أين هذه السياسات المسلحة والمتشنجة من رعاية الأيتام (أعدادهم بالملايين)، والاعتناء بالأرامل (أعدادها بالملايين)، واحترام شيبة كبار السن (أعدادهم بالملايين)؟ وأين تلك السياسات المتهورة من حقوق الإنسان وكرامته؟ ولماذا يتصرف السياسيون وكأنهم لا يعلمون أن بلادهم تتداعى خدماتها، وتتفاقم بطالتها، وتنتشر فيها المخدرات، وترتفع نسب الفقر والطلاق والأمية؟ ألا يعلمون أن سياسة الحرب خارج البلاد والسلاح داخل الدولة والمجتمع لا تبني بلاداً كريمة، ولا تصنع سلاماً ولا استقراراً، بل تجلب الدمار الذي يحرم الأجيال من مستقبلها. وفي مواجهة هذه السياسات غير الرشيدة وما تثيره من جدل، يقدّم الفكر الإسلامي الأصيل أمثلة تاريخية ناصعة تثبت أن اللاعنف كان منهجاً أساسياً أثبت فعاليته في تحقيق الأهداف الكبرى. هذه الأمثلة ليست قصصاً تُروى للترفيه، بل دروساً عملية في فن تحويل المحنة إلى منحة، والاضطهاد إلى انتشار، والضعف الظاهر إلى قوة أخلاقية راسخة ونامية، وقد ذكر الإمام الشيرازي الراحل (قُدِّس سره) عشرات الأمثلة وحلَّلها في العديد من الكتب؛ مثل: (طريق النجاة)، و(السياسة)، و(ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين)، و(اللاعنف في الإسلام)، و(اللاعنف منهج وسلوك)، و(السلم والسلام)، (فلسفة التاريخ)، وغيرها. ففي المرحلة المكية الأولى، واجه النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) وأصحابه القلة اضطهاداً منظماً؛ تعذيباً جسدياً، ومقاطعة اقتصادية قاسية في "شِعب أبي طالب"، وتجازورات معنوية ومادية يومية، فيما بعضهم لم يجد سبيلاً سوى الهجرة الى الحبشة. رغم ذلك لم يرفع (صلى الله عليه وآله) سيفاً ولم يرد الأذى بمثله، ولا سب بشبيهه، ولا البهتان بنظيره. ففي الطائف، حين رُمِيَ بالحجارة حتى أدميت قدماه، لم يدعُ على أهلها، بل رفع يديه قائلاً: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». ودعا أصحابه إلى الصبر الجميل؛ حيث بلال يُعذّب تحت الرمضاء وهو يردد «أحد أحد»، وسمية تُقتَل وهي ثابتة على إيمانها ويلحق بها زوجها ياسر، وابنهما عمار يرى ويسمع ويتوجع. في تلك الظروف الصعبة والقاسية، اعتمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحوار الهادئ والإقناع الرفيق والخلق الكريم، فكانت الثمرة أن تشكلت نواة صلبة في المدينة، ومهدت الهجرة لتأسيس الدولة؛ دولة الإيمان والعدالة ومكارم الأخلاق. فكانت عاقبة ذلك الصبر والحلم والرِفق والرحمة والعفو النبوي أن دخل الناس في دين الله أفواجاً، لا بالسيف بل بمكارم الأخلاق التي سبقت الجيوش، وهزمت المنافقين والأحزاب الأعداء. وفي السنة السادسة للهجرة، عند الحديبية، خرج النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) وأصحابه محرمين للعمرة، فمنعتهم قريش. وكان بإمكانه القتال، وكان أصحابه مستعدين، لكنّه اختار التفاوض. فوقع معاهدة بدت في ظاهرها مجحفة؛ حيث تأجيل الدخول إلى مكة عاماً كاملاً، وحذف لقب «رسول الله» من الوثيقة، وتحمل استياء بعض أصحابه. وقد التزم (صلى الله عليه وآله) بالمعاهدة حتى نُقِضَتْ من الطرف الآخر "مشركو قريش"، فكانت النتيجة فتح مكة (8هـ) في موكب مهيب بلا إراقة دماء تُذكَر. دخلها (صلى الله عليه وآله) قائلاً: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فقد عفا عن الذين قتلوا أقرباءه وشردوا المؤمنين وصادروا أموالهم وعذبوهم سنوات طوالاً. لم يقتل وجيهاً ولا ثرياً ولا زعيماً ولا حتى منافقاً بعد دخوله مكة فاتحاً منتصراً، بل عفا حتى عمن تآمر على قتله، وعمن سقته السم حتى استشهد من أثره، وبهذا العفو الاستثنائي تحولت مكة من معقل للعداوة إلى قلب للرسالة. وبعد استشهاد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، تولى ولده السبط الإمام الحسن الزكي (عليه السلام) الخلافة وسط انقسام داخلي وخيانة بعض القادة، وأمام جيش معاوية المتفوق عسكرياً. وإزاء ذلك الوضع المعقد، اختار (عليه السلام) الصلح (41هـ) بدلاً من حرب كانت ستسفك دماء المسلمين بلا جدوى. وفقاً للصلح؛ تنازل الإمام الحسن (عليه السلام) عن الخلافة بشروط تحفظ حقوق الأمة وتمنع الاعتداء على أتباع أهل البيت (عليهم السلام). جراء هذا الصلح، تحمل (عليه السلام) اتهامات من بعض أنصاره بـ "إذلال المؤمنين" والضعف. وقد ركز حفيد نبي الإسلام (عليه السلام) جهده بعد ذلك على نشر العلم والوعي. قرار التمسك بالسلام وتجنب العنف الذي اتخذه الإمام الحسن (عليه السلام) حفظ وحدة الأمة في مرحلة قلقة وهشة، وأفسح المجال لاحقاً لكشف طبيعة الحكم الأموي الظالم. وقد كان اختياره للاعنف من موقع القوة الأخلاقية، لا الضعف، مؤكداً أن السلام قد يكون الوسيلة الأنجع للحفاظ على المبادئ في ظروف معقدة. أما الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) نفسه، فبعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) لم يُسلَّم الخلافة رغم النص، وصبر خمساً وعشرين عاماً. ولم يشهر سيفاً لاسترداد حقه، بل قدم النصح والتعاون في خدمة الأمة والمسلمين. وقال (عليه السلام) في موقف خالد: «والله لأُسلِّمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليَّ خاصة» (نهج البلاغة). كان هدفه وحدة الأمة ومصلحتها العليا، لا السلطة الشخصية؛ وبهذه التقوى وهذا الصبر حفظ المجتمع الإسلامي من الفتنة في أخطر مراحله، وأثبت أن القوة الحقيقية تكمن في التضحية من أجل المصلحة العامة. وفي كربلاء، خرج سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) رفضاً لبيعة الظالم وسعياً للإصلاح. عندما اعترضه الحر بن يزيد الرياحي بألف فارس ومنعهم من مواصلة الطريق، وفي منتصف الظهيرة وقد أخذ الظمأ من الجيش مأخذاً عظيماً، أمر فتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفاً». فسقوهم عن آخرهم. يقول أحد أصحاب الحر: جئت في آخرهم، فلما رأى الحسين ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية، ثم قال: اشرب. وجعل يعلمني كيف أشرب حتى ارتويت وسقيت فرسي. وهكذا كان الإمام سيد الشهداء في يوم عاشوراء؛ لم يبدأهم بالحرب، وإنما القوم بدؤوه بالقتال حتى قتلوا أهل بيته وأصحابه حتى الطفل الرضيع. وهكذا، أزاحت نهضة عاشوراء الستار عن فضائح الظالمين، وأبانت حقيقة الدين ومعالمه للجميع. ويتجلى هذا المنهج أيضاً في قصة مسجد ضرار، حيث اتخذ المنافقون مسجداً للإضرار بالكفر والتفريق والتجسس. وقد أمر القرآن الكريم بعدم الصلاة فيه، فاكتفى النبي (صلى الله عليه وآله) بإحراقه ومنع إقامتها فيه. ولم يذهب أبعد من ذلك رغم استمرار ضررهم. بذلك، فإنه من خلال سياسة السلم والصبر والعفو هذه انتشر الإسلام في أصقاع العالم المتفكك آنذاك، لا بالعنف بل بمكارم الأخلاق التي سبقت كل سلاح. يقول الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته): «هناك آيات تدعو إلى احترام عقائد الآخرين حتى ولو كانت فاسدة وغير صحيحة، وهذا إنما يدل على حرص الإسلام على السماحة واللاعنف في سلوك المسلمين حتى مقابل أصحاب العقائد الضالة» (اللاعنف في الإسلام: ص12). كما يقرر (أعلى الله درجاته) أن «(السلم والسلام) بمعناهما الأعم والشمولي يقتضيان الأمن والعافية، والاستقرار والازدهار، وكل ما يوجب تقدم الحياة وتطورها في أبعادها الصحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها» (السلم والسلام: ص20). وأن الإسلام «حث المسلمين على حب الخير لجميع الناس والإحسان للبشرية بما فيها من الكفار» (السلم والسلام: ص68)، و«لم يقف عند حد رعاية الكفار فيما لهم من الحقوق، بل كان يرعاهم حتى لو أساءوا» (السلم والسلام: ص75). هذه الأمثلة تلخص دروساً باهرة وخالدة وحاسمة؛ تتمثل في أن اللاعنف قوة أخلاقية لا ضعف، فالصبر والحوار والحلم أقوى من السيف في كسب القلوب وبناء الأمم، وأن التنازل التكتيكي/الإجرائي في الوقت المناسب قد يكون طريقاً إلى انتصار استراتيجي أكبر. في السياق، فإن الأخلاق أساس كل نجاح دائم، فالتسامح والرحمة هما ما جعلا الرسالة عالمية نامية، وأن السلام ليس غياب الحرب فحسب، بل هو الأمن والعافية والاستقرار والرفاه والازدهار في كل أبعاد الحياة. وفي مقابل هذا التراث الإسلامي المشرق يقف الواقع المأزوم شاهداً دامغاً؛ فإن السياسات التي تعتمد السلاح والقوة والقمع والغلظة والتخوين والترهيب والتهديد والشتم والهتك والاتهام والبهتان والتخوين والتسقيط لا تبني دولاً آمنة ومستقرة وزاهرة، ولا تصنع سلاماً راسخاً، بل تؤبد الحروب، وتأجج الكراهية، وتكرّس الجماعات المسلحة داخل المجتمعات، وتهمش القانون، وتُرهِق الحكومات وتُضعِف الدول. وعلى هذا النحو، تتجلى تداعيات تلك السياسات الهوجاء بوضوح في انهيار الخدمات، وتفاقم البطالة، وانتشار المخدرات، وارتفاع نسب الفقر والطلاق والأمية، وحرمان الأيتام من الرعاية، والأرامل من العناية، وكبار السن من الاحترام. ولاشك في أن السياسات العابثة والطائشة والفاشلة لا تأبه بحقوق الإنسان وكرامته ولا حفظ الوطن وإعماره. وهكذا، فإن السلام المفقود ينتظر مَنْ يعيده إلى موقعه الطبيعي، بأن يكون منهجاً للحكم والحياة، وطريقاً للبناء لا للهدم، وأساساً لكرامة الإنسان لا لانتهاكها. والعودة إلى سيرة النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الغرّ الميامين (عليهم السلام)؛ سيرة الرحمة والحلم والرفق والرأفة والصبر والعفو والحوار ومكارم الأخلاق والبناء والإعمار والرفاه. بالتالي، فإن سيرة السلام والحكمة ومكارم الأخلاق هي الطريق الوحيد لإنقاذ بلادنا المنكوبة من دوامة الحروب والصراعات والعنف بمختلف أشكاله، وإعادة بناء مجتمعات تُكرِّم الإنسان وتحفظ كرامته، وتفتح أبواب الأمل أمام الأجيال القادمة؛ فإن قيم السلام التي يعبق بها تاريخ الأنبياء وتراث الإسلام تنتظر مَنْ يحييها، والواقع المأزوم ينتظر مَنْ يختار الطريق الصحيح.
------------------------------ مقالات ذات صلة * السلام المفقود .. تأصيل قيمي في مواجهة واقع مأزوم * السلام المفقود .. بين نصوص الرحمة والواقع المأزوم * السلام المفقود .. بين جوهر الشريعة والواقع المأزوم |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|