
|
أزمة غير الأكْفاء .. بين ضوابط الدين وأحكام العقل |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 2/ ربيع الأول/ 1448
مسألة تولي المناصب والمسؤوليات العامة وفق معيار الكفاءة من القضايا الجوهرية في الفكر السياسي والأخلاقي الإسلامي. لذلك، حذّرت نصوص نبوية وأقوال أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، من مخاطر إسناد المسؤولية إلى غير الأكفاء، مع اعتبار ذلك شكلاً من أشكال الخيانة للدين والشعب. ويوضح عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى مالك الأشتر تصوراً دقيقاً لمسؤولية الحاكم: "إن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك أمانة، وأنت مسترعى لمن فوقك" (نهج البلاغة: عهد الإمام علي لمالك الأشتر). هنا، يبين أمير المؤمنين أن المنصب ليس مجالاً للتمتع الشخصي، بل مسؤولية مشروطة بالأمانة والقدرة، ما يجعل الكفاءة معياراً جوهرياً في ممارسة الحكم. كما يحذر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من مخاطر الحكم السيء في قوله (عليه السلام): "إذا استولى اللئام اضطهد الكرام، وإذا مَلَك الأراذل هلك الأفاضل" (غرر الحكم: 4033). هنا، يصور الإمام واقع الدول الفاشلة، حيث يؤدي صعود الحكام غير الأكفاء والحكوميين/المسؤولين غير النزيهين إلى اضطهاد النخب وضياع ثروات البلاد وتدهور المجتمع؛ كما يحدث في العراق. يحذر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) من مخاطر سوء الحكم بقوله: "إذا استولى اللئام اضطهد الكرام، وإذا مَلَك الأراذل هلك الأفاضل" (غرر الحكم: 4033). يصور الإمام أمير المؤمنين هنا واقع الدولة الفاشلة؛ حيث يؤدي صعود الحكام غير الأكفاء والمسؤولين الفاسدين إلى اضطهاد النخب، وضياع ثروات البلاد، وتدهور المجتمع، وهو الواقع الذي تجسده الحالة العراقية المعاصرة. بالموازاة، يرى الإمام أن فضيلة الحاكم تكمن في عمارة البلدان، أي في إصلاح الأوضاع القضائية والاقتصادية والاجتماعية والبنية التحتية، مما يعزز استقرار الدولة وازدهارها، حيث يقول (عليه السلام): "أحسَنُ الحكام حالاً مَنْ حَسُنَ عَيشُ النّاسِ في عَيشِهِ" (غرر الحكم: 3261). هذا المبدأ العلَويّ يعكس فكرة أن نجاح الحاكم يُقاس بمدى تحسينه أحوال شعبه، لا بتراكم ثروته أو سلطته. في السياق؛ ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: "مَن تقدَّم على قوم وهو يعلم أنّ فيهم من هو أفضل منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (الكافي: ج1 - ص407). كلام الإمام يربط مباشرة بين تقديم غير الأكفأ وبين مفهوم "الخيانة"، ما يضع معيار الكفاءة في صميم الالتزام الديني والأخلاقي، وليس مجرد خيار إداري أو تنظيمي. وعلى هذا النحو، الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يشير إلى أن الحاكم أو المسؤول، إذا اختار لشخص منصباً وهو يعلم أن هناك شخصاً آخر في الجماعة هو أحق وأفضل منه في الكفاءة، فإن هذا الفعل يعد خيانة. هذه الخيانة ليست مجرد تقصير، بل هي خيانة للمبادئ الدين، وتضر بالمؤمنين وتؤدي إلى فساد في الولاية والمجتمع. ويُروى عن الإمام علي زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: "إن من علامات العاقل أن يضع الشيء مواضعه، ومن علامات الجاهل أن ينصب غير المصلح في موضع الإصلاح" (تحف العقول: ص278). هنا، الإمام زين العابدين يربط بين الحكمة العملية وبين حسن اختيار المسؤولين، ويعتبر وضع غير المؤهل في موضع الإصلاح علامة من علامات الجهل. ووفقاً للعديد من الأحاديث الشريفة والروايات المطهرة، فإن معيار الكفاءة ليس قضية فردية فحسب، بل له انعكاسات اجتماعية وسياسية مباشرة. فإن إسناد المسؤولية إلى غير الأكفأ يؤدي إلى ضعف المؤسسات، وشيوع الفساد، وتعميق الانقسامات، وترسيخ الفشل، كما ينعكس في الواقع المعاصر للعديد من الدول الإسلامية حيث الولاءات الضيقة غالباً ما تتفوق على الاعتبارات المهنية. وهكذا، فإن ما نشاهده من تقديم غير الكفوء، وتفضيل غير الخبير، واختيار الفاشل والفاسد، الذي يحدث عادة في هذا البلد الإسلامي أو ذاك، ليس من الإسلام أبداً. فإن الإسلام يعتبر الكفاءة شرطاً أساسياً لتولي المنصب والمسؤولية، وغيابها شكلاً من الجهل أو الإهمال أو الفشل أو الخيانة. من الواضح، أن هذه الرؤية الإسلامية، وهي رؤية الإنسان الذي يحترم عقله ويراعي قيم العدل والخير، إذا ما فُعِّلت في الحياة السياسية والاجتماعية، يمكن أن تشكل قاعدة إصلاحية لتجاوز الأزمات المزمنة المرتبطة بسوء الإدارة وضعف المؤسسات في المجتمعات الإسلامية. قال الله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(التوبة: 105) |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|