
|
امتحان الأمة .. من الـ غديرَيْن إلى اليوم |
|
|
|
|
|
|
|
|
غدير التنصيب النبوي وغدير التنصيب الشعبي
موقع الإمام الشيرازي 20 / ذو الحجة / 1447
خمسة وعشرون عاماً فصلت بين غديرَين .. غدير التنصيب النبوي، وغدير التنصيب الشعبي، كان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) خلالها ثابتاً على نهج واحد، محتفظاً بحقه القيادي كطاقة كامنة تتهيأ للإمساك بزمام الأمور، إلى أن تحوّلت إلى طاقة متحركة أمسكت بهذا الزمام، وقامت بتوجيهه وفق رؤية استراتيجية عميقة، لا تقف عند حدود اللحظة، بل تقرأ في التاريخ ما لا يقرأه غيرها. كان الغدير الأول (عام 10هـ) إعلاناً لانطلاق مرحلة جديدة في الدين والمجتمع على حد سواء. قرّر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن يضع أولى لبنات استمرار نهجه باختيار الأصلح لقيادة الأمة من بعده. ومَنْ يقرأ السيرة النبوية سيعلم فوراً اسم هذا المرشح: أول المسلمين، وأول المجاهدين، وأول المضحين. باب مدينة العلم. سيد المسلمين وإمام المتقين. الذي يبيّن للأمة ما اختلفوا فيه من بعد رسولها. ولم يكن اختيار هذا الاسم فرضاً إكراهياً على الناس، بل كان حالة تلقائية شأنها شأن النبات الذي زُرِعت بذرته فأصبح بعد مراحل نمو شجرةً وارفة الظلال. غير أن الأمة ذهبت على خلاف ما تقضي به سنن الحياة البشرية؛ ففضّلت نباتاً لم ينبت إلا بالأمس القريب على تلك الشجرة الراسخة، وارتأت أن تكون صاحبة القرار دون أن تحسب لآليات التاريخ أي حساب. وهكذا لم يجد القرار النبوي طريقه إلى التنفيذ، وبقي الحاكم الشرعي بعيداً عن مهامه ومسؤولياته، فكانت الأمة قد فشلت في أول امتحان بعد وفاة نبيها على مستويات عدة: فشلٌ على مستوى التكليف الديني؛ إذ أعرضت عن واجب السمع والطاعة للتعليمات النبوية. فشلٌ على مستوى التخطيط الاستراتيجي؛ إذ قصرت عن تحديد الأصلح لتبوّؤ منصب القيادة العليا. فشلٌ على مستوى الكرامة الأخلاقية؛ إذ نكثت العهود وخانت أمانة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته مباشرة. وهكذا أمضت الأمة خمسة وعشرين عاماً تتخبط بين "طخيةٍ عمياء" و"حوزةٍ خشناء" وقوم "يخضمون مال الله خضم الإبل نبتةَ الربيع"، بحسب كلمات الإمام أمير المؤمنين في خطبته الشقشقية. كل ذلك والإمام أمير المؤمنين صابر، لأن الصبر "أحجى"، لكنه صَبَر "وفي العين قذى، وفي الحلق شجا". وهكذا يكون القادة الاستراتيجيون: يصبرون حين تجري الرياح بما لا تشتهي السفينة، لكنهم يظلون يتحسسون بمرارة انحرافَ مسارها، إلى أن يفرض النظام التلقائي للحياة قانونَه فتعود الرياح إلى سيرتها الأولى. وجاء عام (35هـ) فعادت الرياح إلى سيرتها الأولى. أحسّت الأمة، بشكل مباشر أو غير مباشر، أن الاختيار النبوي هو الحل، فمضت إلى حاكمها الحقيقي "ينثالون" عليه "من كل جانب"، "مجتمعين" حوله "كربيضة الغنم" التي فقدت راعيها بقرارها، فوجدته بقرار التاريخ، بعد أن دفعت ضريبة تخلّفها دماً ومالاً ووقتاً. مع ذلك، بقي الإمام ثابتاً لا يتحوّل؛ فأصرّ على تطبيق الأجندة الأصلية المستندة إلى التخطيط الاستراتيجي الذي يفهم حركة التاريخ، والابتعاد عن نهج المكاسب السريعة ذات العواقب الخطيرة. فطرح أدوية مرة لكنها ناجعة لإصلاح ما أفسده الآخرون، غير أن الأمة لم ترغب بتناولها، وكأنها لا تزال تحمل في وجدانها بقايا تلك الخمسة والعشرين عاماً التي اعتادت فيها على غير هذا النهج. وصلت العلاقة بين القائد والأمة إلى مرحلة خطيرة، فظهر القاسطون والناكثون والمارقون، وكلها حركات انقلابية أرادت إعادة عقارب الساعة إلى ما كانت عليه، فطرح الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في مواجهة ذلك مبدأً راسخاً من مبادئ العمل السياسي، قال فيه: "أَمَا والذي فلقَ الحبةَ وبرأَ النسَمَةَ، لولا حضورُ الحاضر، وقيامُ الحجّةِ بوجودِ الناصر، وما أخذَ الله على العلماءِ ألا يقارّوا على كِظَّةِ ظالم ولا سَغَبِ مظلوم، لأَلقيتُ حبلها على غاربِها، ولسقيتُ آخِرَها بكأسِ أوّلها، ولأَلفيتُمْ دنياكم هذه أزهدَ عندي من عفطةِ عنز" (الخطبة الشقشقية). بموجب هذا المبدأ، تحوّلت القيادة من كونها شأناً شخصياً يمكن التخلّي عنه، إلى واجب تُراق من أجله الدماء والأموال، تفرضه كافة مستويات التكليف: الديني والإنساني والاجتماعي والأخلاقي. فأمضى الإمام (عليه السلام) ما تبقى من خلافته يكافح قوى الرجعية التي وقفت تعكس مجرى التاريخ، وتغرس بذوراً خبيثة في تربة المجتمع، إلى أن استُشهِد على يد نبتة التكفير الخبيثة التي أسقت بذورها أمة لا تحسب حساباً للمستقبل. وهكذا؛ فإن مَنْ يتابع مسيرة الإمام أمير المؤمنين مع أمته يجد أنه تعامل معها بمنهج الربّان الخبير بتقلبات الرياح؛ فعندما هبّت الرياح بعكس ما يشتهي، بقي ثابتاً يتحين تغير جهتها، وعندما حانت الفرصة مضى بأقصى سرعته وأفرد أشرعته قاصداً وجهته التي لم تتغير، لكن الرياح عادت فانقلبت. أما هو فظل الثابت، مؤكداً حقيقةً مهمة: أن الرياح دون سفينة تظل مجرد رياح دون اسم أو هوية، أما السفينة وعلى رأسها ربانها القدير، فهي التي يتذكرها التاريخ ويشيد بإنجازاتها. على هذا النحو، لم يكن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قائداً سياسياً بالمعنى الاصطلاحي الضيّق لهذه الكلمة، بل كان مؤسساً لفلسفة متكاملة في الحكم والدولة والمجتمع، فلسفة لا تفصل بين الديني والسياسي والأخلاقي والإنساني، وإنما تصهرها في بوتقة واحدة قوامها العدل ومحورها الإنسان. فهو القائل: "أحسنُ الملوك حالاً من حسُن عيشُ الناس في عيشه، وعمَّ رعيَّتَه بعدله" (غرر الحكم: 3261)، وهي عبارة تلخّص فلسفة الحكم الرشيد في جملة واحدة، وهي أن مقياس صلاح الحاكم ليس في ثروته ولا في سلطانه، بل في انعكاس عدله على حياة الناس اليومية. وكان (عليه السلام) يرى في الفقر "الموتَ الأكبر"، لأنه يسلب الإنسان كرامته قبل أن يسلبه قوته. أيضاً، كان (عليه السلام) يرى في المال العام أمانة مقدسة. ولعلّ أبلغ تجلّيات ذلك ما يرويه التاريخ من أنه حين دخل عليه عمرو بن العاص ليلاً وهو ينظر في حسابات بيت المال عند سراج يحترق بزيت اشتراه من المال العام، ما إن رأى الضيف حتى أطفأ السراج وجلس في ضوء القمر، لأنه لم يستحلّ أن يضيء بمال المسلمين لشأن خاص. هذا المشهد الأخلاقي الفريد والكبير هو بيان عملي لفلسفة كاملة في العلاقة بين الحاكم والمال العام. وحين أخبرته سودة بنت عمارة عن ظلم عامله في الصدقات، بكى وكتب في الحال إلى عامله يعزله، دون بيروقراطية ولا مماطلة ولا ختمٍ بالشمع، لأن الاستجابة للمظلوم واجبٌ آني لا يحتمل التأجيل، وهو القائل في آخر وصاياه لولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهم السلام)، وهو على فراش الشهادة والرحيل الى الرفيق الأعلى: "كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً" (بحار الأنوار: ج42 – ص256). وكانت نظرته إلى الآخر المختلف نظرة إنسانية سابقة لعصرها: "الناس صنفان: إما أخٌ لك في الدين وإما نظيرٌ لك في الخلق" (نهج البلاغة: خطبة 52)، فلا إقصاء ولا استعلاء، بل اعتراف بالإنسانية المشتركة أساساً للتعامل والتعايش. أما في قراءته لأسباب انهيار الدول، فكان ثاقب الرؤية ودقيق التشخيص: "إذا استولى اللئام اضطُهد الكرام، وإذا ملك الأراذل هلك الأفاضل" (غرر الحكم: 4033). وهي قراءة لا تصف أزمنةً بائدة فحسب، بل تصف بدقةٍ مذهلة ما يجري في مجتمعاتنا اليوم. لعلّ أشدّ ما يشجي في ذكرى الغدير ومعنى وقيم الغدير، هو ذلك الفارق الهائل بين روح الفكرة العَلَويَّة ومآلات تطبيقها في السياق المعاصر. ففي العراق، على سبيل المثال، حيث ترفع أحزاب وتيارات سياسية شيعية عديدة شعارات الولاء للإمام أمير المؤمنين وقيمه، يواجهنا سؤال لا يمكن التهرب منه: هل ثمة انعكاس حقيقي لهذه القيم على الواقع المعيش؟ الإمام الذي أطفأ سراجه حتى لا يستهلك قطرة زيت من بيت مال المسلمين، في مقابل دولة تُصنَّف بين الأعلى فساداً في العالم، وتتبخر فيها المليارات دون محاسبة ودون حسيب. الإمام الذي كتب على الفور لعزل عامله الظالم، في مقابل منظومة محاصصة تحمي الفاسدين وتُقيل المصلحين. الإمام الذي رأى في الفقر "الموت الأكبر" (نهج البلاغة: حكم 163)، في مقابل دولة نفطية تمتلك ثروات هائلة بينما يعيش ملايين من مواطنيها تحت خط الفقر. الإمام الذي قال "ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع" (نهج البلاغة: الحكمة 328)، وكأنه يصف بدقة مأساة العراق الراهنة بين نعمة النفط الوفيرة وحقوق الناس المضيّعة. من هنا، فإنه بين غديرَيْ التنصيب النبوي والبيعة الشعبية 25 عاماً حملت في طيّاتها أثقل أسئلة الأمة في السياسة والحكم والقيم. فإن الغدير حدث تأسيسي ثلاثي الأبعاد: تاريخياً في واقعة خُمّ، وفكرياً في منهج علي بن أبي طالب للحكم الرشيد القائم على العدل والكرامة وصون المال العام، وأخلاقياً في اشتراط أن تكون القيادة خدمة لا امتيازاً وأمانة لا غنيمة. وبين هذه الأبعاد تبرز مفارقة موجعة حين يتحوّل الانتساب إلى القيم العَلَويَّة شعارات بلا مضمون، فيغدو الغدير - كـ منظومة فكرية وقيمية وأخلاقية - سؤالاً محرجاً لا احتفالاً، ومساءلة لا مناسبة. وهكذا، فإن خذلان علي بن أبي طالب لم يكن حكراً على زمن بعينه؛ فالأمة التي أضاعت خمسة وعشرين عاماً وكان علي بن أبي طالب بين ظهرانيها تعرف كم كلَّفها ذاك الخذلان. أما اليوم فـ علي بن أبي طالب غير موجود بيننا، لكن قيمه موجودة، ونهجه معروف، وتاريخه محفوظ، وخذلانه لم يعد بالتخلي عن بيعته، بل بالتنكر لعدالته وخيانة أمانة الحكم التي كرّس حياته من أجلها؛ فكل فساد يُمارَس باسمه، وكل ظلم يُسبَغ عليه رداء التشيع له، هو في حقيقته طعنة جديدة تُضاف إلى سجل الخذلان القديم. بالتالي، فإن الادعاء بالانتساب إلى الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مع التنكر لقيمه في الحكم، ليس مجرد تناقض أخلاقي، بل هو في حقيقته إساءة بالغة للفكرة العَلَويَّة ذاتها. فالإمام أمير المؤمنين لم يكن رمزاً طائفياً يُحتَجّ به لاستنهاض الجمهور الانتخابي، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً لدولة العدل والكرامة الإنسانية والمساءلة. ولعلّ أبلغ مواجهة لهذا التناقض، هي العودة إلى منبع الفكرة ذاتها؛ فالغدير إن كان حدثاً في التاريخ، فهو كذلك موقف الى الأبد .. موقف يقول إن القيادة أمانة لا غنيمة، وإن السلطة خدمة لا امتياز، وإن الدولة لا تُبنى بالشعارات بل بالعدل الذي وصفه الإمام شرطاً للبقاء: "إذا بُني الملك على قواعد العدل، ودُعِّمَ بدعائم العقل، نصر الله مواليه وخذل معاديه" (غرر الحكم: 4118). وعليه، فإن عيد الغدير لا يكتمل معناه بالاحتفال وحده، بل يكتمل بالمحاسبة؛ محاسبة الذات أولاً، ومحاسبة مَنْ يحكمون باسم هذه القيم ثانياً. فإن المؤمن الحقيقي بالفكرة والقيم العَلَويَّة هو مَنْ يقف في وجه الظالم ولو كان يرفع راية الإسلام، وينصر المظلوم ولو كان خصماً في الدين، ويرفض الفساد ولو كان يجري تحت سقف القداسة .. فإن الرسالة الحقيقية للغدير ليست انتسب إلى هذه الفكرة، بل كن أهلاً لها. ---------------------------- مقالات ذات صلة * اختبار التدين .. الغدير بين قيم الدين ونزعة السلطة * اختبار التديّن .. تديّن السلطة في الميزان العَلَويّ * اختبار التديّن .. على محَّك السلطة والقيم * باسم الدين .. كيف يُشوَّه الدين؟ * من التديّن .. البحث عن الحقيقة * الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي * التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب * التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني * تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير * تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال * تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم * المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|