اختبار التدين .. الغدير بين قيم الدين ونزعة السلطة




 

 

موقع الإمام الشيرازي

18 / ذو الحجة / 1447

 

 

لاشك في أن حدث/حديث الغدير نقطة مركزية في التاريخ الإسلامي، حيث يكشف التوتر بين الشرعية الدينية والديناميكيات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الإسلامي المبكر، ويتمثل الغدير كـ "حدث وحديث" في لحظتين حاسمتين:

الأولى عام 10هـ / 632م، عندما أعلن النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) اختياره للإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كقائد للأمة في خطبة غدير خم: "علي بن أبي طالب أخي ووصيي وخليفتي والإمام من بعدي".

والثانية عام 35هـ/ 656م، عندما بايعت الأمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) خليفة بإرادة شعبية بعد عقود من الاضطرابات. إذ لم تكن مجرد مبايعة سياسية تقليدية، بل كانت بيعة شعبية عارمة وغير مسبوقة في تاريخ الخلافة الإسلامية، حتى قال (عليه السلام) في وصف ما حدث: "ثم تداككتم علَيّ تداك الإبل الهيم على حياضـها يوم ورودها، حتّى انقطعت النعل وسقط الرداء ووطئ الضعيف، وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إياي أن ابتهج بها الصغير، وهدج إليها الكبير، وتحامل نحوها العليل، وحسـرت إليها الكعاب" (نهج البلاغة).

وإزاء تلك الأحداث، فإن نهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في التعامل مع التحديات كان نموذجاً استثنائياً للصبر والحكمة السياسية، خاصة في سياق تاريخي يفتقر إلى القيم الحديثة مثل الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان. بالتالي، من المهم في هذه الحقبة العَلَويَّة تسليط الضوء على نقطتين أساسيتين:

أولًا؛ حرص الإمام أمير المؤمنين على سلامة المجتمع واستقرار النظام العام، رغم إقصائه عن حاكميته الشرعية بعد وفاة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله).

ثانياً؛ التعامل الحكيم والحقوقي للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المعارضة بعد توليه الخلافة عام 35هـ، مع رؤية بمنظور سياسي واجتماعي لهذه المواقف.

يعكس حدث الغدير ومخرجاته صراعاً بين القيم الدينية الناشئة والتقاليد القبلية الراسخة. فإن إعلان النبي لـ علي كـ "مولى" في "الغدير الأول"، كان خطوة تصب في تأسيس نظام قيادة ديني يعتمد على الكفاءة الروحية والقرب من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، متحدياً الهياكل القبلية التي تعتمد على التوافق والنفوذ. بالتالي، فإن حدث الغدير أتى في سياق تأسيس يعزز الهوية الجماعية، ويربط القيادة الشرعية بالاختيار الإلهي. لكن اختيار "الأمة" لقادة آخرين، في اجتماع السقيفة، يكشف عن نزعة ثقافية وقفت ضد التغيير، حيث فضّلت الولاءات القبلية على الإرادة النبوية.

ورغم إقصائه عن الحاكمية الشرعية بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، لم يلجأ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى إثارة الفوضى أو التمرد أو السعي الى الانقلاب، بل اختار دعم أمن المجتمع واستقرار الدولة الناشئة، حرصاً منه على سلامة الدين الجديد واستقرار المجتمع الناشئ. هذا الموقف الكبير، كما يتضح في الخطبة الشقشقية من نهج البلاغة، حيث يصف صبره "وفي العين قذى وفي الحلق شجا" (نهج البلاغة)، يعكس قيمة ثقافية تتمثل في الصبر كتجسيد للحكمة والقوة. أيضاً، يكشف هذا النهج قدرة الإمام أمير المؤمنين على التوفيق بين دوره كقائد ديني ومسؤوليته تجاه وحدة الأمة، وهو يكشف ويؤكد أنه (عليه السلام) سامق في إيمانه وشامخ في سلوكه ونقي في سريرته وقصده، حيث يتجاوز المصالح الفردية لصالح الوطن أو الأمة وأيضاً لصالح الدين.

وفي مواجهة المعارضة بعد توليه الخلافة عام 35هـ بإرادة شعبية مطلقة، واجه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) معارضة شرسة من ثلاث فئات وصفها في نهج البلاغة: "الناكثون"، الذين نقضوا بيعتهم طمعاً في السلطة، كطلحة والزبير، الذين قال فيهم: "يطلبون حقاً هم تركوه" (الخطبة 137)، و"المارقون"، أو الخوارج، الذين خرجوا عن الدين واضطر لمحاربتهم بعد فشل الحوار (الخطبة: 123)، و"القاسطون"، أتباع معاوية، الذين حادوا عن الحق وسعوا لاغتصاب الشرعية (الخطبة: 192). إزاء ذلك، أظهر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع هذه المعارضة الشرسة بأصنافها الثلاثة نهجاً يعكس مرونة سياسية وثقافية استثنائية، فقد كان تعامله بالحوار والتواصل، كما يرد في خطبته 123. هذا التعامل مع المعارضة يؤكد تشدد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على الحفاظ على تماسك المجتمع رغم الانقسامات. بالتالي، فإن هذا النهج الكبير والحكيم والكريم مع المعارضة يعكس فهماً عميقاً للديناميكيات الاجتماعية، حيث سعى (عليه السلام) إلى إعادة توحيد الأمة عبر التفاهم قبل اللجوء إلى القوة، وهو موقف يتجاوز السياق التاريخي الذي كان يفتقر إلى مفاهيم الحكم الرشيد الحديثة.

من الناحية السياسية، يشير حدث الغدير الى أزمة بين الشرعية الدينية والشعبية. الغدير الأول كان محاولة لتأسيس سلطة دينية تستند إلى الاختيار النبوي، لكن قرار الأمة باختيار قادة آخرين عبر "الشورى" عكس ميلاً لنموذج توافقي. هذا التوتر أدى إلى 25 عاماً من الاضطرابات، كما يقول عنها الإمام (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية، حيث "تخبطت" الأمة بين قادة لم يحسبوا لآليات التاريخ حساباً. ويصفها سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله) بأنها "25 سنة من غياب العدالة وكبت الحريات". في الوقت أن موقف الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) جسَّد نموذجاً مبكراً لأسس منظومة الحكم الرشيد. فرغم إقصائه عن حقه الشرعي، اختار الإمام (عليه السلام) تجنب الصراع الداخلي، لإدراكه أن استقرار الدولة الناشئة يتطلب وحدة الأمة. هذا الموقف، جاء في سياق تاريخي يفتقر إلى قيم الديمقراطية وحقوق المواطنة، كما أنه موقف يعكس فهماً استراتيجياً لأولويات القيادة. بدلاً من السعي للسلطة عبر التمرد أو الانقلاب، دعم الإمام أمير المؤمنين الأمن والاستقرار، وهو موقف يؤكد التزام الإمام (عليه السلام) بمصلحة الأمة على حساب حقوقه الشخصية. من هنا، يقول المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره): "بلغ من التزام الإمام أمير المؤمنين باللاعنف أنه حتى مع الخوارج لم يلجأ إلى القوة، وإنما عكف على نصيحتهم وتذكيرهم بالحق، ولكنهم أبوا إلا محاربة المسلمين، حينذاك دافع الإمام عن الأمة".

على هذا النحو، فإن تعامُل الإمام أمير المؤمنين مع المعارضة يكشف عن نهج سياسي متقدم، يستند على الحوار كخطوة أولى لاحتواء الخلافات، أما اللجوء إلى القوة يكون فقط وحصراً عندما يصبح التمرد تهديداً عدوانياً مسلحاً ضد الشرعية/القانون، وضد الأمن العام/الاستقرار. وهذا النهج، كما يرد في خطبته 75 حيث يصف نفسه (عليه السلام): "حجيج المارقين وخصيم الناكثين"، يعكس التزاماً بمبادئ العدل والحكمة، وهي قيم تتقاطع مع مفاهيم الحكم الرشيد الحديثة رغم غيابها في ذلك العصر. في السياق، يقول المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "إن الذين خرجوا ضد الإمام أمير المؤمنين هم المنافقون الحقيقيون، ولكن سياسة الإمام أمير المؤمنين ومنهجه في الحكم هو أن لا يستخدم سيف التخويف، ولا يُقال عن المعارضين للحكم أنهم منافقون، وإن كانوا هم منافقين حقاً! فمن أجل إدارة الحكومة ومراعاة المصلحة الأهم وملاحظة التزاحم ومراعاة حال الأمة والمعارضين أيضا نهى الإمام أن يقال عنهم إنهم منافقون. كما أن أمير المؤمنين كان أوّل من سمح بالمظاهرات ضدّه وأعطى مطلبهم، وكان المطلب باطلاً في نفسه.من هنا، فإن حدث الغدير ونهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقدمان دروساً تتجاوز السياق التاريخي السائد في تلك الفترة التاريخية. فقد أظهر صبر الإمام، بعد إقصائه عن الخلافة، نموذجاً للقيادة التي تضع استقرار المجتمع فوق المطالب الشخصية، بينما تعامله (الدبلوماسي والإنساني) مع المعارضة بعد توليه السلطة كشف عن نهج ديمقراطي مبكر يعتمد الحوار والتسامح لا القوة. هذه المواقف تؤكد تفرِّد الإمام أمير المؤمنين في سياق تاريخي كان يهيمن عليه السطوة والعنف والصراعات القبلية.

وهكذا، فإن حدث الغدير، وما بعده، ومن خلال نهج الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، يكشف عن نموذج فريد للقيادة في سياق تاريخي معقد. أما مجتمعياً، فيعكس صراعاً بين القيم الدينية والتقاليد القبلية، بينما سياسياً، فيكشف عن تحديات الشرعية والحكم الرشيد. صَبْرُ الإمام أمير المؤمنين بعد إقصائه عن الخلافة وتعامله الحكيم مع المعارضة بعد توليه السلطة يقدمان دروساً في النبل والتضحية والسمو، فضلاً عن أخلاق سياسية عالية، وهي قيم تتجاوز عصرها – عصر الإمام أمير المؤمنين وقرون من بعده - لتتقاطع مع مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان الحديثة، وتفوقها خلقاً وسلوكاً ونتاجاً.  

بالتالي، الغدير - كحدث تاريخي، ومفهوم فكري، ومنظومة قيمية وسلوكية – ينبغي أن يشكّل الركيزة الأساسية للهوية الإسلامية عامة، والشيعية خاصة، فإن منظومة الغدير المستمدة من نهج الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مصدر إلهام لإدراك قيم الدين كالعدالة والأمانة، وفهم ديناميكيات السلطة وإدارة الحكم، وصولاً لـ"تفكيك واقعنا المعاصر" من خلال فهم هذا الواقع ومحاكمة أزماته وإصلاح مساراته وحلّ مشاكله. إلا أن الواقع السائد منذ عقود بات يختزل الغدير وقيمه في مجرد نصوص حبيسة الكتب، أو خطب حماسية، ومناسبات تذكيرية موسمية. هذا الاختزال الفكري والعملي يتجلى بوضوح في أداء تجارب "الحاكمية الشيعية السياسية" المعاصرة، والتي أخفقت في تمثيل جوهر هذا النهج؛ حيث اتسمت سنوات حكمها بالفشل والفساد والعبث بمقدرات الأوطان، مما أثقل كاهل الشعوب بالفقر والبؤس والعوز، وجعلها في مفارقة صارخة مع قيم العدالة والحرية والحقوق والأمانة والكفاءة والحاكمية الرشيدة التي أسس لها صاحب الغدير.

-----------------------------

مقالات ذات صلة

* اختبار التديّن .. تديّن السلطة في الميزان العَلَويّ

* اختبار التديّن .. على محَّك السلطة والقيم

* باسم الدين .. كيف يُشوَّه الدين؟

* من التديّن .. البحث عن الحقيقة

* الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي

* التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب

* التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني

* تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير

* تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال

تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم

* المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن