
|
اختبار التديّن .. تديّن السلطة في الميزان العَلَويّ |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 16 / ذو الحجة/ 1447
شكلية التدين واغتراب القيم .. كيف يحوّل التدين الزائف السلطة والنفوذ إلى مأزق أخلاقي؟!
تقوم شرعية الأنظمة والحركات السياسية في عالمنا الإسلامي غالباً على حجم القيم الإيمانية التي تدّعي تمثيلها؛ فتراها ترفع لواء الرحمة، والأمانة، والمسؤولية الأخلاقية تجاه المستضعفين. غير أن الهوة السحيقة بين هذه الادعاءات البراقة والواقع المعيش تكشف عن أزمة غير مسبوقة؛ حيث تحولت الرموز التاريخية العظيمة والنصوص المقدسة المباركة من نماذج للتضحية والعدالة إلى مجرد أدوات لتبرير الفشل، والتغطية على الفساد وسوء الأمانة. على هذا النحو، فإن أشد التحديات خطورة على الفكر الديني المعاصر تكمن في مسخ "التدين" من جوهره الأصيل - باعتباره مشروعاً أخلاقياً لتزكية النفس - وتحويله إلى "أيديولوجيا" وظيفية لتبرير المطامع السياسية وبلوغ النفوذ. ويتجلى الفصام الحاد في بنية المجتمع والدولة عندما تعتلي طبقة سياسية سدة الحكم مستغلة رصيدها الرمزي والديني؛ حيث تتحول العبادات والطقوس - في هذه اللحظة - من أدوات للإصلاح والتقويم إلى دروع سياسية ومظلات شرعية لحماية الفساد وتحصينه وتبرير الفشل وتمريره. بدوره، العراق اليوم يقدِّم أطروحة عملية لهذا السقوط؛ فطوال أكثر من عشرين عاماً، حكمت طبقة سياسية إسلامية تَصَدَّر بلدها قوائم الفساد والفشل الإداري عالمياً. المفارقة المأساوية هنا ليست في الفشل السياسي بحد ذاته، بل في أن هذه القوى طالما رفعت راية الانتماء لنهج الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) .. الرجل الذي يمثل في الوجدان الإنساني قمة العدالة والزهد، والذي كان يرى الخلافة لا تساوي "نعلاً ممزقاً" إلا أن يقيم حقاً أو يدفع باطلاً. لذا، حين تصبح مقدرات الفقراء وقوداً لثراء النخب باسم "الإمام أمير المؤمنين"، فإننا نواجه "تديناً مشوَّهاً" يسلب من الدين جوهره الأخلاقي والإنساني. وإن هذا التشويه لجوهر الدين لا يتحمله السياسي بمفرده، بل تشترك فيه بنية مجتمعية كاملة اختزلت التدين في "المظاهر العبادية" والطقوس الحاشدة، وجعلت من حجم المشاركة فيها معياراً وحيداً للصلاح، بمعزل عن أي أثر أخلاقي أو سلوكي في الفضاء العام. من هنا، فإن هذا الاختزال المشوّه لجوهر الدين وتحويله إلى مجرد طقوس شكلية، هو التربة الخصبة التي نبتت فيها الحصانة الاجتماعية للفاسدين؛ فاعتماد المجتمع على المعايير المظهرية في التقييم، قدّم لـ "السياسي المتدين" العابث والمخادع أيسر سلاح للاحتماء، والمناورة، والتنصل من المسؤولية. فما دام يسهل شراء رضا المجتمع برعاية شعيرة أو استعراض نسك أو مشاركة الناس في فعالية دينية، فإن السياسي يجد في هذه المظاهر ملاذاً آمناً يغسل فيه جرائمه المادية. هنا، وبفعل هذا الترابط المنطقي، يتحول المجتمع - دون أن يشعر - من ضحية للفساد إلى شريك في حمايته؛ إذ يقبل مقايضة حقوقه الحياتية وأمواله المنهوبة بـ "طمأنينة دينية زائفة"، مقدماً الولاء للهوية على حساب المعيار الأخلاقي الصارم. إن النتيجة الأخطر لهذا الفصام النكد لا تتوقف عند تدمير مؤسسات الدولة، بل تمتد لتضرب عمق الوعي الإيماني للأجيال الصاعدة، حيث يجد جيل الشباب نفسه اليوم محاصراً بين خطاب ديني مُعلَن يفيض بالورع والزهد والنزاهة، وواقع عملي يطفح بالجشع والظلم تمارسه الوجوه ذاتها التي تصدح بتلك الشعارات وتحث على تلك القيم .. هذا التناقض الكارثي الصارخ أنتج ردة فعل عكسية خطيرة تمثلت في "النفور من الدين" والهروب نحو اللا التزام أو اللادينية أو الإلحاد كفعل احتجاجي. فإن الشاب الذي يرى ثروات بلاده تُنهَب، وحاضره يُستباح بعبث "متدينين"، ومستقبله يُسرَق باسم "مقدس"، يصبح الدين في وعيه مرتبطاً بالاستبداد والفقر والخداع والاحتيال والنفاق الاجتماعي. هنا، الشباب لم ينفروا من قيم السماء الحقيقية، بل فرّوا من "الصورة المشوهة" التي قدمتها قوى الإسلام السياسي؛ فالجريرة الكبرى لهذه النخب هي أنها جعلت من الطقوس الدينية – بل جعلوا من الدين - مرادفاً بصرياً للفشل الإداري والفساد المالي والاحتيال الاجتماعي، مما أفقد النص الديني جاذبيته الأخلاقية والروحية لدى جيل يبحث عن الصدق والعدالة الحقيقية، وهنا الكارثة التي تقود الى كارثة أكبر بل تقود الى كوارث. وهكذا؛ فإن استرداد الوظيفة النقدية للدين تتطلب العودة إلى نصوصه التأسيسية التي وضعت شروطاً حاسمة للتدين الحقيقي، وهي نصوص تدين هذه الطبقات الحاكمة والمجتمعات الصامتة بشكل قاطع: * يقول الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(القصص: 83). إذاً، كيف لمن جعل التسلط السياسي والعبث بأموال الدولة والشعب وإفساد المؤسسات ديدنه أن يدعي تمثيل المتقين؟! * ينزع النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله) الشرعية عن التدين الاستعراضي بقوله: "لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة" (بحار الأنوار: ج68 – ص9). والأمانة هنا هي حفظ كرامة الإنسان والمال العام. * في الرؤية العَلَويَّة، لا يُعفى الحاكم من المسؤولية عن أصغر التفاصيل، حيث يقول الإمام علي: "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم" (نهج البلاغة: خطبة 167). بالتالي، فإن حاكماً يعجز عن توفير مياه صالحة للشرب أو بنية تحتية تحمي الإنسان، هو حاكم يسقط في هذا الاختبار الصارم. * حسم الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) شروط الانتماء لخطه الإيماني والفكري بقوله لصاحبه ابن جندب: "لا تذهبن بكم المذاهب، فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الاخوان في الله، وليس مِنْ شيعتنا مَنْ يظلم الناس" (بحار الأنوار: ج75 - ص279-280). هذا النص المبارك ينسف "الشرعية الطائفية"؛ فالظلم يخرج صاحبه من دائرة الانتماء الحقيقي حكماً. وأمام هذا الميزان الإيماني والأخلاقي الدقيق، يعري التاريخ كل نظام يقتات على حقوق وآلام المستضعفين باسم الدين. لقد كان رفض الظلم محركاً أساسياً في فكر الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين قال: "والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهداً، وأجر في الأغلال مصفداً، أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد..." (بحار الأنوار: ج75 ص359). كما لخص غاية الحكم بوضوح: " لم يكن الذي كان منافسة منّا في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتقام المعطلة من حدودك" (نهج البلاغة: الخطبة 129). تأسيساً على ما تقدّم ؛ فإن تفريغ الدين من أبعاده الأخلاقية والإنسانية، واختزاله في الشكليات، أنتج حصانةً مجتمعية للانتهازيين والوصوليين؛ حصانة مرّرها وكرّسها إعلام ديني تقاعس عن مواجهة هذا الانحراف، رغم خطورته على مكانة الدين نفسه. فإنه حين يرتضي المجتمع المظهر الخارجي ميزاناً لتقييم أمانة السياسي ونزاهة المسؤول، فإنه يمنح المفسدين طوق نجاة للهروب من المساءلة، وأداة طيّعة للعبث بمقدرات الأوطان، ونهب قوت الشعوب وتهميش حقوقه. وهكذا، فإن الأزمة اليوم ليست مجرد أزمة حكم، أو سوء إدارة، أو فساد مستشرٍ، بل هي أزمة وجودية تضرب في عمق المصداقية والقيم، تتلخص في المعركة بين تدينَيْن .. تدين حقيقي يثمر عدلاً ونزاهة ورحمة بالخلق، وتدين زائف ومشوَّه يتلبّسه السياسيون ويتغطون به كأداة حزينة لشرعنة الظلم والنهب. بناء على ذلك، لن يستقيم حال هذه الأوطان، ولن يعود جيل الشباب إلى رحاب الطمأنينة الروحية، إلا بنزع القداسة الزائفة عن ممارسات هؤلاء المدَّعين، والفصل الحاسِم في الوعي المجتمعي بين جوهر الإيمان النقي وأقنعة المصلحة السياسية. بالتالي، فإن إعادة الاعتبار للقيم الدينية الحقيقية تعني إدراك أن العدالة ليست شعاراً يُرفَع للاستهلاك وتخدير الجماهير، بل هي ممارسة حية، وأمانة ثقيلة، ورحمة ملموسة يجب أن يلمسها الفقير والمظلوم في تفاصيل حياته اليومية. ------------------------ مقالات ذات صلة * اختبار التديّن .. على محَّك السلطة والقيم * باسم الدين .. كيف يُشوَّه الدين؟ * من التديّن .. البحث عن الحقيقة * الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي * التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب * التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني * تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير * تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال * تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم * المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|