
|
باسم الدين .. كيف يُشوَّه الدين؟ |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 8 / ذو الحجة / 1447
الدين، في جوهره، قوة أخلاقية وروحية تهدف إلى بناء الإنسان، وتهذيب النفس، وإقامة العدل، وصناعة الرحمة، وحماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي. لكنّ التديّن، حين ينفصل عن العقل والأخلاق والإنسانية، يمكن أن يتحول إلى أداة معاكسة تماماً؛ أداة تنتج الكراهية، والتعصب، والتبرير، والفساد، وحتى العنف. ومن هنا، فإن الحديث عن "التديّن الحقيقي" لم يعد مجرد نقاش وعظي أو أخلاقي، بل أصبح قضية تمس الأمن الاجتماعي والسياسي والفكري، وتمس صورة الدين نفسه في أذهان الناس، خصوصاً بعدما ارتبط الدين – في تجارب كثيرة – بالفساد السياسي، والاستبداد، والعنف الرمزي والمادي، والتسلط باسم المقدّس. لقد تعرّض مفهوم التديّن خلال العقود الأخيرة إلى ضرر كبير وتشويه عميق، خاصة في المجتمعات التي صعدت فيها قوى سياسية رفعت شعارات دينية بينما مارست أشكالاً واسعة من الفشل والفساد والتسلط. وهنا تحديداً بدأت صورة "المتديّن" تهتز في الوعي الجمعي؛ بسبب أولئك الذين استخدموا الدين غطاءً لمطامع سياسية أو مالية أو سلطوية أو وجاهية. فإن بعض السياسيين الذين قدّموا أنفسهم بوصفهم حماة الدين، كانوا في الواقع من الأكثر إضراراً بصورة الدين والأكثر تشويهاً لقيم الدين، لأنهم ربطوا بين التديّن وبين الكذب، والتسلط، والقمع، وقتل المعارضين، والمحسوبية، والفساد من خلال نهب أموال الدولة والشعب، وازدواجية المعايير، واحتقار القانون، وتبرير الظلم. كما ساهم بعض رجال الدين – بالصمت أو التبرير أو الاصطفاف – في تكريس هذا التشوه، حتى فقد كثير من الناس ثقتهم ليس بالسياسي "المتديّن" ولا بعموم رجال الدين والمؤسسة الدينية فقط، بل بفكرة التديّن ذاتها. لكن الخطأ الأكبر يقع حين تُختَزَل حقيقة الدين بسلوك المتدينين الفاسدين، إذ أن فساد بعض المتدينين لا يعني فساد الدين، كما أن انحراف بعض المنتسبين إلى الطب لا يعني فساد الطب نفسه. ولهذا كان الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يضع قاعدة بالغة العمق حين قال: "الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله" (أمالي المفيد: ج5 – ص3). إنها دعوة عَلَويَة لتحرير العقل من عبودية الأشخاص والجماعات والتنظيمات، والبحث عن جوهر الحقيقة بعيداً عن الهالات المصنوعة حول البشر. وفي السياق نفسه يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لا تنظر إلى مَنْ قال، وانظر إلى ما قال" (غرر الحكم: 10189). هذه القاعدة العَلويّة لا تحمي الإنسان من الخداع الديني فقط، بل تحميه أيضاً من الانجرار خلف الجماعات التي تحتكر الحقيقة وتربط الدين بالطاعة العمياء والانتماء المغلق. إن التديّن الحقيقي يقاس بما يتركه من أثر أخلاقي في سلوك الإنسان. فإن الدين الذي لا يجعل الإنسان/المتدين أكثر عدلاً ورحمة ونزاهة واحتراماً للآخرين، يتحول إلى مجرد قشرة اجتماعية أو هوية نفسية مغلقة. ولهذا ربط الإسلام بين الإيمان والأخلاق ربطاً عضوياً. فقد رُوي عن النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله): "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مستدرك الوسائل: ج11 – ص187). كما قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله عز وجل يحبها وإياكم ومذام الأفعال فإن الله يبغضها - إلى أن قال - وعليكم بحسن الخلق فإنه يبلغ بصاحبه درجة الصائم القائم" (وسائل الشيعة:11 - ب6 - ح8). وقال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): "إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" (أصول الكافي: ج2 – ح2). فإن العبادة، في معناها العميق، ليست أداء لواجب أو مستحب بقدر ما هي ترويض وتهذيب النفس. فالصلاة التي لا تمنع الظلم، والصيام الذي لا يردع عن الأذى، والتديّن الذي لا يحفظ كرامة الناس، تتحول جميعها إلى أشكال بلا روح. ولهذا كان الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يضع معياراً حاسماً للتديّن حين قال: "ليس من شيعتنا من يظلم الناس" (1). هذه المقولة الجعفرية البالغة الأهمية تختصر الدين كله تقريباً؛ لأن الظلم هو الامتحان الحقيقي لأي تدين. فإن المتدين الحقيقي لا يُعرَف من كثرة حديثه عن الحلال والحرام، بل من مقدار الأمان الذي يشعر به الناس معه والخير الذي يتوقعونه منه. وفي المقابل، فإن التديّن المزيّف ليس ظاهرة جديدة أو استثنائية، بل عرفه التاريخ الإسلامي منذ بداياته. فالقرآن الكريم تحدث عن المنافقين الذين أدّوا الشعائر بينما كانت قلوبهم خاوية من الإيمان الحقيقي: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾(البقرة: 9). كما أن الإمام أمير المؤمنين علين أبي طالب (عليه السلام) وصف الخوارج بأنهم "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" (الأمالي: ص334)، أي أن النصوص بقيت على ألسنتهم ولم تتحول إلى وعي أخلاقي وإنساني وتهذيبي، بالتالي أصبح الخوارج نموذجاً صارخاً لتديّنٍ انفصل عن العقل والرحمة. وهنا تكمن الخطورة الكبرى، وذلك حين يتحول الدين إلى أداة نفسية لإنتاج الكراهية والتعصب والشعور بالتفوق الأخلاقي على الآخرين. فإن بعض أشكال التديّن لا تبني إنساناً مطمئناً ومتوازناً، بل تنتج إنساناً خائفاً، وقلقاً، وغاضباً، ومهووساً بالخطأ والعقاب والتكفير. وفي هذا السياق، تشير دراسات نفسية معاصرة إلى العلاقة الخطيرة بين بعض أنماط "الوسواس القهري الديني" وبين القابلية للانجذاب نحو الخطابات المتطرفة. فالفرد الذي يعيش خوفاً مرضياً من الله سبحانه، أو شعوراً دائماً بالذنب والرعب، قد يصبح أكثر استعداداً للوقوع فريسة لجماعات تقدم له اليقين المطلق والخلاص الجاهز. وهنا تبدأ عملية اختطاف الدين من وظيفته الروحية والأخلاقية، ليتحول إلى مشروع تعبئة وكراهية وسيطرة. فـ بدلاً من أن يكون الدين طريقاً إلى الطمأنينة والرحمة، يصبح وسيلة لإنتاج الشك، والتخوين، والعداء للآخر، وحتى تبرير العنف. والأخطر من ذلك حين تدخل هذه العقليات إلى مؤسسات الدولة أو الأحزاب أو الجماعات المسلحة، فتتصرف بوصفها فوق القانون لأنها تتوهم أنها "تمثل الدين" أو "تحمي المقدّس". عندها يصبح الفساد عملاً مبرراً، والقمع واجباً دينياً، والاستيلاء على الدولة جزءاً من "المشروع المقدس". ومن هنا نفهم كيف يمكن لبعض الأشخاص أو الأحزاب أو الجماعات أن تمارس أبشع أشكال الفساد المالي والإداري وهي ترفع شعارات دينية، أو كيف يمكن أن يتحول الخطاب الديني إلى وسيلة لإخافة الناس والسيطرة عليهم بدل تحريرهم وبنائهم. إن التديّن الحقيقي لا يصنع إنساناً متعالياً على الناس، بل إنساناً أكثر تواضعاً ورحمة وعدلاً. كما أنه لا يدفع صاحبه إلى احتقار المختلف معه أو قمعه أو تخوينه أو تكفيره، بل إلى احترام إنسانيته. ولهذا قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) عبارته الإنسانية الخالدة: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق"(2). هذه الكلمات العَلَوية تجسد رؤية أخلاقية كبرى ترى الإنسان قيمة بحد ذاته، لا مجرد تابع لهوية أو طائفة أو جماعة. ولهذا فإن العلاج الحقيقي لأزمة التديّن غي الحقيقي بإعادة وصل الدين بالعقل، وبالأخلاق، وبالإنسان، وبالحقيقة. فإن الدين الذي يفقد العقل يتحول إلى تعصب، والدين الذي يفقد الأخلاق يتحول إلى نفاق، والدين الذي يفقد الرحمة يتحول إلى قسوة، والدين الذي يفقد الإنسان يتحول إلى أداة سلطة. وهكذا، فإن التديّن الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان أكثر صدقاً مع نفسه، وأكثر احتراماً للناس، وأكثر خوفاً من ظلم الآخرين، وأكثر التزاماً بالعدل حتى مع خصومه. وهو الذي يزرع في النفس احترام الذات، والحياء من الأذى، والرحمة بالمستضعفين، والقدرة على الاعتراف بالخطأ. أما التديّن المزيّف، فهو ذلك الذي يملأ اللسان بالشعارات بينما يترك القلب أسيراً للحقد والطمع والكراهية وشهوة السلطة. وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس: كم عدد المتدينين في المجتمع؟! بل: أيُّ نوع من التديّن ينتجه هذا المجتمع؟! هل ينتج إنساناً حراً وعاقلاً ورحيماً ونزيهاً؟ أم ينتج إنساناً خائفاً ومتعصباً ومبرِّراً للظلم والكراهية؟ هناك تبدأ الإجابة الحقيقية عن أزمة الدين والتديّن في عالمنا اليوم. --------------------- هامش (1) من وصايا الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) لأحد أبرز أصحابه، عبد الله بن جُنْدَب البجلي الكوفي: «يَا ابْنَ جُنْدَب حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَعْرِفُنَا أَنْ يَعْرِضَ عَمَلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ عَلَى نَفْسِهِ، فَيَكُونَ مُحَاسِبَ نَفْسِهِ، فَإِنْ رَأَى حَسَنَةً اسْتَزَادَ مِنْهَا، وَإِنْ رَأَى سَيِّئَةً اسْتَغْفَرَ مِنْهَا لِئَلَّا يَخْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ. طُوبَى لِعَبْدٍ لَمْ يَغْبِطِ الْخَاطِئِينَ عَلَى مَا أُوتُوا مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا وَ زَهْرَتِهَا، طُوبَى لِعَبْدٍ طَلَبَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا، طُوبَى لِمَنْ لَمْ تُلْهِهِ الْأَمَانِيُّ الْكَاذِبَةُ. يَا ابْنَ جُنْدَب الْمَاشِي فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَالسَّاعِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَاضِي حَاجَتِهِ كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَ أُحُدٍ وَمَا عَذَّبَ اللَّهُ أُمَّةً إِلَّا عِنْدَ اسْتِهَانَتِهِمْ بِحُقُوقِ فُقَرَاءِ إِخْوَانِهِمْ. يَا ابْنَ جُنْدَب بلِّغ معاشر شيعتنا وقل لهم: لا تذهبن بكم المذاهب، فوالله لا تنال ولايتنا إلا بالورع والاجتهاد في الدنيا، ومواساة الاخوان في الله، وليس مِنْ شيعتنا مَنْ يظلم الناس» (بحار الأنوار: ج75 - ص279_280). (2) من الأخطاء الشائعة استعمال كلمة «أو» بدل «وإمّا» في قول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): «فإنهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظيرٌ لك في الخلق» (نهج البلاغة: الرسالة 53 - من عهد الإمام علي بن أبي طالب إلى مالك الأشتر النخعي عندما ولاّه على حكم مصر). إذ تُقال أحياناً بصيغة: «إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، وهذا الاستعمال غير دقيق لغوياً؛ لأن «إمّا» في العربية تأتي للتفصيل والتقسيم، لا للتخيير، كما في الآيات القرآنية: ﴿إمّا شاكراً وإمّا كفوراً﴾(الإنسان: 3). أما «أو» فتفيد غالباً الاختيار بين أمرين. وبالتالي، فإن استعمال «أو» يوحي خطأً بأن الإنسان إمّا أخ في الدين أو نظير في الخلق على سبيل الاختيار، بينما أراد الإمام بيان أن الناس جميعاً يرتبطون بأحد هذين الوصفين أو بكليهما. بالتالي، فإن العبارة العَلَويَة تؤسس لمعنى إنساني عميق يقوم على العدالة والمساواة واحترام الإنسان، مهما اختلف دينه أو انتماؤه. |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|