
|
من التديّن .. البحث عن الحقيقة |
|
|
|
|
|
|
|
|
موقع الإمام الشيرازي 4 / ذو الحجّة/ 1447
إزاء العالم اليوم الذي تتدفق فيه المعلومات والآراء والخطب والشعارات بلا توقف، لم تعد المشكلة الكبرى في نقص الكلام، بل في ضياع الحقيقة وسط الضجيج. فالمجتمعات الحديثة – ومنها المجتمعات المسلمة – تعيش اليوم أزمة عميقة في علاقتها بالحقيقة؛ إذ بات كثير من الناس لا يبحثون عما هو صحيح بقدر ما يبحثون عما يوافق انتماءهم، ويؤكد قناعاتهم المسبقة، ويشعرهم بالاطمئنان النفسي داخل جماعتهم الدينية أو السياسية أو المذهبية(1). ومن هنا، ربما أصبحت إحدى أهم وظائف التديّن الحقيقي هي تحرير الإنسان من عبودية الانتماء الأعمى، ودفعه إلى البحث عن الحقيقة ولو جاءت من خارج جماعته وهويته. فالدين الذي لا يوقظ العقل، ولا يحرر الإنسان من التعصب، يتحول بسهولة إلى أداة تبرير لا إلى وسيلة هداية. ولهذا تبدو كلمة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لا تنظر إلى مَنْ قال، وانظر إلى ما قال" (غرر الحكم: 10189)، واحدة من أعمق القواعد الفكرية والأخلاقية في التراث الإسلامي. فهي منهج كامل في التفكير، يقوم على الفصل بين الفكرة وصاحبها، وعلى تقييم الأقوال بمعيار الحقيقة والمنطق، لا بمعيار الهوية والانتماء. هنا، الإمام أمير المؤمنين يضع الإنسان/المتدين أمام مسؤولية عقلية وأخلاقية صعبة، وهي أن يكون عادلاً مع الحقيقة حتى لو جاءت من خصمه، وأن يرفض الباطل حتى لو صدر من جماعته أو طائفته أو قائده السياسي أو الديني. وهذه من أصعب صور النزاهة الفكرية، لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تصديق "مَن يشبهه"، لا إلى اختبار صدق الفكرة نفسها. ومن هنا تنشأ واحدة من أخطر أزمات المجتمعات المنغلقة، وهي رفض الحقيقة بسبب هوية قائلها، وقبول الباطل بسبب قرب صاحبه من الجماعة. فقد يرفض إنسان نصيحة حكيمة لأنها صادرة من شخص مختلف عنه دينياً أو مذهبياً أو قومياً، بينما يصدق كلاماً خاطئاً أو مضللاً فقط لأنه صادر من "واحد منا". وهكذا تتحول الحقيقة من قيمة مستقلة إلى تابعٍ للهوية والانتماء. هذه المشكلة لم تعد مسألة فردية أو أخلاقية فقط، بل أصبحت أزمة سياسية واجتماعية وثقافية واسعة. ففي السياسة مثلاً، كثيراً ما تُفسَّر الأحداث لا وفق الوقائع، بل وفق الولاءات الحزبية والطائفية. وفي الإعلام، يعاد تشكيل الحقيقة بما يخدم الاستقطاب والتحشيد، حتى يصبح الكذب أحياناً أكثر قبولاً من الحقيقة إذا كان يخدم "جماعتنا أو أفكارنا أو مصالحنا أو حزبنا". ولذلك فإن المجتمعات التي تفقد قدرتها على احترام الحقيقة، تتحول تدريجياً إلى مجتمعات قابلة للتزييف والانقسام والعنف والتضليل. لأن الكذب حين يتحول إلى ثقافة عامة، يفقد الناس ثقتهم ببعضهم، وتضعف الدولة، وتصبح القرارات الكبرى مبنية على الأوهام والشائعات والانفعالات لا على المعرفة والعقل. ولهذا أيضاً ربط الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) بين العقل والهداية، حين قال: "لكل شيء دليل، ودليل العاقل التفكر" (تحف العقول: ص394). فالعقل هنا ليس مجرد أداة معرفية، بل هو شرط أخلاقي لحماية الإنسان من الانجرار خلف العاطفة الجماعية، أو الانبهار بالقوة، أو الخضوع للخطاب الشعبوي. وفي وصيته لهشام بن الحكم، يضع الإمام الكاظم (عليه السلام) أساساً بالغ العمق لفلسفة الحقيقة، حين يقول: "لو كان في يدك جوزة، وقال الناس: لؤلؤة، ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس إنها جوزة، ما ضرّك وأنت تعلم أنها لؤلؤة" (تحف العقول: ص395). وهذه دعوة من الإمام الكاظم (عليه السلام) الى التحرر من ضغط الجماعة، ومن وهم الأكثرية، ومن الخوف من مخالفة السائد. فإن الحقيقة لا تتغير بعدد المصفقين لها أو الرافضين لها، بل تبقى حقيقة حتى لو بقي صاحبها وحيداً. وهنا تظهر أزمة "التديّن العاطفي" الذي يخلط بين الإيمان وبين الراحة النفسية داخل الجماعة. فبعض الناس لا يريدون الحقيقة فعلاً، بل يريدون ما يطمئن انتماءهم، حتى لو كان مخالفاً للواقع. ولهذا نرى أحياناً من يرفض النقد الموضوعي للفساد أو الظلم إذا صدر من خارج جماعته، بينما يقبل بسهولة تبريرات واهية من داخلها. وفي هذا السياق، تبدو ملاحظة المفكر الأميركي "روبرت جورج" مهمة حين وصف عصرنا بأنه "عصر الإحساس"(2)، أي العصر الذي أصبحت فيه المشاعر والانفعالات بديلاً عن العقل والحقيقة. فالكثير من الناس اليوم لا يسألون: "هل هذا صحيح؟"، بل يسألون: "هل هذا ينسجم مع ما أشعر به أو ما أؤمن به مسبقاً؟". وهنا تكمن خطورة الخطاب الديني أو السياسي التعبوي؛ لأنه يخاطب الانفعال أكثر مما يخاطب العقل، ويغذي الانتماء أكثر مما يغذي التفكير النقدي. ولهذا يمكن للإنسان أن يتحول إلى أداة في يد الكذب والدعاية وهو يظن أنه يدافع عن الدين أو الطائفة أو الوطن. بالتالي، فإن البحث عن الحقيقة ليس ترفاً فكرياً، بل مسؤولية أخلاقية ودينية وحضارية. فقول الحقيقة – خصوصاً في أزمنة الاستقطاب والخوف والتزييف – هو دفاع عن الإنسان والمجتمع والدولة معاً. أما الصمت عن الكذب أو تبريره، فهو مشاركة غير مباشرة في صناعة الخراب. ولهذا فإن القرآن الكريم لا يمدح الذين يكررون ما يسمعون، بل الذين (يستمعون القول فيتبعون أحسنه)(الزمر: 17-18). أي الذين يمتلكون القدرة على التمييز والمراجعة والتفكير الحر. وهذه الآية الكريمة تؤسس لفكرة جوهرية، وهي أن التدين الحقيقي لا يقوم على الطاعة العمياء، بل على العقل الواعي والبحث المسؤول عن الحقيقة. ومن هنا أيضاً يمكن فهم سبب فشل كثير من الخطابات الدينية والسياسية في مواجهة العنف والتطرف والكراهية وانحسار الورع والوثوب على الحرام. فالمشكلة ليست دائماً في قلة الخطب أو كثرة الوعظ، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والحقيقة. إذ لا يمكن إقناع الناس برفض العنف أو الكراهية مثلاً بينما يشعرون بالتهميش أو الظلم أو غياب العدالة أو انعدام الثقة بالمؤسسات. إن المجتمعات المنغلقة، التي تعيش على الخوف من الآخر، وعلى العصبية والانقسام، تكون أكثر استعداداً لرفض الحقيقة التي قد تصدر من الآخر. وإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد شجاعته في البحث عن الحقيقة، وأن يستبدل العقل بالهتاف، والتفكير بالتعصب، والضمير بالولاء الأعمى، فهناك تبدأ الهزائم الكبرى، حتى لو ظن الناس أنهم ينتصرون. ولهذا، ربما يكون من أصدق معاني التديّن اليوم هو أن يمتلك الإنسان شجاعة السؤال، ونزاهة الاعتراف بالحقيقة، والقدرة على مراجعة نفسه وجماعته، وألا يجعل الانتماء حاجزاً بينه وبين الحق. فالحقيقة ليست ضد الدين، بل هي من صميمه، والبحث عنها ليس خروجاً على الإيمان، بل أحد أنبل أشكال الإيمان نفسه. ------------------- هوامش (1) لم يشهد التاريخ لحظة كالتي نعيشها اليوم؛ لحظة انهيار جدران احتكار المعرفة، وتحرّر المعلومة (أو الحقيقة) من قبضة "النخب" التي ظلّت قروناً تمسك بمفاتيح الوصول إليها. فإن المعرفة التي كانت يوماً حبيسة القصور والبيوت الخاصة والمكتبات المغلقة، صارت الآن ملكاً للجميع بفضل التحولات التقنية الجذرية. هذا الواقع الجديد والمدهش له متطلبات وفيه مسؤوليات لا ينبغي تجاهلها أو الالتفاف عليها. (2) صدر مؤخراً كتاب باللغة الإنجليزية بعنوان "البحث عن الحقيقة والتحدث بالحقيقة .. القانون والأخلاق في لحظتنا الثقافية". يصف مؤلفه، روبرت جورج، عصرنا بـ"عصر الإحساس"، حيث "يعتقد الكثيرون اليوم أن حجر الزاوية في الحقيقة ليس الإيمان أو العقل (أو، كما أعتقد أنا نفسي، الإيمان والعقل) بل الشعور أو المشاعر". هذا النقد يبرز كيف أن الاعتماد على المشاعر يؤدي إلى "مشهد الناس الذين يتبنون أخلاقية مطلقة شرسة مبنية على معتقدات ليست سوى منتجات لمشاعر ذاتية محضة". وبالتالي، تكمن أهمية الحقيقة في قدرتها على توحيد المجتمع حول قيم مشتركة، بعيداً عن التحيزات العاطفية. ------------------- مقالات ذات صلة * الإيمان .. بين الورع الأخلاقي والتديّن الشكلي * التدين الحقيقي .. انتماء صادق وعمل صالح وأثر طيب * التدين المشوَّه .. إفراغ الدين من مضمونه الأخلاقي والإنساني * تديّن بلا دين .. الدين من معيارٍ نحتكم إليه إلى أداةٍ للتبرير * تساؤل حول التديّن .. إزاء اتساع الفجوة بين الخطاب والسلوك أو الواقع والمثال * تديّن المؤمن .. تقييم وتقويم * المتدين الحقيقي .. معيار تقييم التديّن |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|